أورد الكتابة بعد الإجارة لمناسبة أن كل واحد منهما عقد يستفاد به المال بمقابلة ما ليس بمال على وجه يحتاج فيه إلى ذكر العوض بالإيجاب والقبول بطريق الأصالة، وبهذا يحترز عن البيع، والطلاق والعتاق.
وقدم الإجارة لأنه أشبه بالبيع من حيث التمليك، والشرائط، وجريانه في غير المولى وعبده.
ثم من محاسنه أن العبد به يصل إلى شرف الحرية في الدنيا، ويكتسب أسباب السعادة العقباوية، والمولى يصل إلى المال مع الثواب.
ومن محاسنه أيضًا: الاستنان بسنة الله فإن الخلق كلهم عبيد الله تعالى وإماؤه، ولكن أعطاهم من حرية اليد والملك الظاهر بقدر ما يسعون في فكاك رقبتهم، وبدل كتابهم الوفاء بعهوده بائتمار أوامره والانزجار عن نواهيه، فمن وفي بعهوده خلص من عقابه.
ثم الكتابة لغةً: مأخوذ من الكتب، وهو الجمع والضم، يقال: كتبتُ البغلة إذا ضممت بين شفريها بحلقة والشفران طرفا الفرج، أو القربة، أو حرزتها، ومنه كتب الكتاب، أي: جمع الحروف والكتيبة الطائفة من الجيش لانضمام بعضهم إلى بعض.
ويسمى هذا العقد كتابة لما فيه ينضم النجم إلى النجم، أو لأنه يوثق بالكتابة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وشرعًا: عقد بلفظ الكتابة، أو بلفظ يؤدي معناه يوجب التحرير يدًا في الحال، ورقبة في المال، ولا يلزم عليه تعليق العتق على مال؛ لأنه لا يحتاج فيه