للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

كِتَابُ الزَّكَاةِ

كِتَابُ الزَّكَاةِ

قُرِنَتِ الزَّكَاةُ بِالصَّلَاةِ؛ لَمَّا أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ العِبَادَةِ نِعَمُ اللهِ تَعَالَى، وَالنِّعْمَةُ بَدَنِيَّةٌ وَمَالِيَّةٌ، وَالنِّعْمَةُ البَدَنِيَّةُ أَعْظَمُهَا وَأَتَمُّهَا وَأَسْبَقُهَا فِي التَّكْوِينِ، فَكَانَ شُكْرُهَا بِالعِبَادَةِ البَدَنِيَّةِ أَعَمَّ، وَصَرْفُ عِنَايَةِ المُكَلَّفِ إِلَى تَحَقُّقِهَا أَعَمَّ، غَيْرَ أَنَّهَا فِي الحَالِ، وَالمَالُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِذَرِيعَةِ المَالِ.

وَلِهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ الصَّلَاةَ عِمَادَ الدِّينِ، وَالزَّكَاةَ قَنْطَرَةَ الإِسْلَامِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ تَعَالَى تَقْدِيمَهَا عَلَى الزَّكَاةِ، وَجَعْلُهَا ثَانِيَةَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوةَ﴾ [النِّسَاء: ٧٧]، فَاقْتَدَى كُلُّ مُصَنَّفٍ مِنْ أَئِمَّةِ المِلَّةِ الزَّهْرَاءِ، وَحَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ البَيْضَاءِ فِي التَّصْنِيفِ وَالتَّأْلِيفِ؛ بِتَرْتِيبِ اللهِ تَعَالَى.

وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الزَّكَاةَ مِنَ الْأَرْكَانِ الخَمْسِ الَّتِي بِهَا بُنْيَانُ الإِسْلَامِ؛ فَقَالَ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ … » الحَدِيثَ (١)، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَحْسَنُ لِمَعْنَى فِي عَيْنِهَا، وَالزَّكَاةُ مُلْحَقَةٌ بِهَا.

ثُمَّ الزَّكَاةُ لُغَةً: الطَّهَارَةُ وَالنَّمَاءُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَّدُنَا وَزَكَوةً﴾ [مريم: ١٣]؛ أَيْ: طَهَارَةٌ. وَيُقَالُ: زَكِيَ الزَّرْعُ؛ إِذَا نَمَا.

وَسُمِّيَتْ بِهَا؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ نَمَاءِ المَاءِ بِالخُلْفِ وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وَفِيهَا مَعْنَى التَّطْهِيرِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. كذا في المبسوط (٢).

وَسُمِّيَتْ صَدَقَةً - أَيْضًا -؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ العَبْدِ فِي العُبُودِيَّةِ إِذَا أَدَّاهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى النَّفْسِ أَشَقُّ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْأُصُولِ.


(١) رواه البخاري (١/١١، رقم ٨)، ومسلم (١/٤٥، رقم ١٦) من حديث ابن عمر .
(٢) المبسوط للسرخسي (٢/ ١٤٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>