لما ذكر تفصيل ما يسمع من الشهادة بالنسبة إلى محال الشهادة - شرع في بيان من تسمع شهادته ومن لا تسمع.
ثم الأصل في هذا الباب أن الشهادة ترد بالتهمة؛ لقوله ﵇:«لا شهادة لِمُتَّهَم».
ولأنها خبر محتمل للصدق والكذب، وبترجح جانب الصدق يصير حجة، ولا يترجح جانب الصدق بالتهمة.
ثم تمكن التهمة تارةً يكون لمعنى في الشاهد، وهو الفسق؛ لأنه لما لم ينزجر عن ارتكاب محرم في دينه مع اعتقاده حرمته - لم ينزجر عن شهادة الزور.
وقد يكون لمعنى في الشاهِدِ مع قيام العدالة والولاية، وهو العمى، فإذا عدم له آلة التمييز تمكن تهمة الغلط في الشهادة، وتهمة الغلط وتهمة الكذب سواء.
وقد تكون تهمة الكذب مع قيام العدالة بدليل شرعي، وهو المحدود في القذف بعد التوبة عندنا، وقبل التوبة عند الشافعي (١) فقد جعل تعالى عجزه عن الإتيان بأربعة دليل كذبه بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] كذا في المبسوط (٢).
قوله:(وقال زفر، وهو رواية عن أبي حنيفة: تقبل فيما يجري فيه التسامع)، وبه قال الشافعي (٣) والنخعي (٤) وأحمد (٥) ومالك (٦) والحسن
(١) انظر: الأم (٦/ ٢٢٥)، الحاوي الكبير (١٧/٢٥، ٢٦). (٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٢٠، ١٢١). (٣) انظر: الأم (٧/ ٩٦)، الحاوي الكبير (١٧/٤٣). (٤) انظر: المدونة (٤/ ٩٣)، المغني (١٠/ ١٧٠). (٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٦)، المغني (١٠/ ١٧٠). (٦) انظر: المدونة (٢/ ٩٣)، مواهب الجليل شرح مختصر خليل (٦/ ١٥٤).