لما [كان](١) أكثر المنازعات في الديون والبياعات ذكر ما هو قاطعها بعدها، وهو القضاء والقاضي يحتاج إلى خصال حميدة حتى يصلح بها للقضاء، فهذا الكتاب لبيانها.
ثم تركيب (الأدب) يدل على الجمع والدعاء، ومنه الأدب، بسكون الدال، وهو أن تجمع الناس إلى طعامك وتدعوهم إليه، والمأدبة: اسم للطعام، والأدب: هو الداعي إليه، وسمى الأدب أدبا؛ لأنه يؤدب الناس إلى المحامد، أي: يدعوهم إليها (٢).
وعن أبي يزيد: الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، والمراد من أدب القاضي هنا: هو الخصال المدعو إليها.
والقضاء الحكم، وأصله:(قضاي) لأنه من (قضيت) إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، كَرِداء، أصله:(رداي).
والقضاء يجيء لمعان؛ قال ابن قتيبة: يجيء لمعان مختلفة كلها تعود إلى معنى واحد، أصله: الختم والفراغ عن الأمر، وبه تجري ألفاظ القرآن.
وفي الشرع: المراد به الإلزام، وفصل الخصومات، وقطع المنازعات، وسمى حكمًا؛ لما فيه من منع الظالم عن المظلوم، ومنه الحكمة، والحكمة، ويقال: أحكمت السفيه: إذا أخذت على يده ومنعته.
ثم القضاء بالحق من أشرف العبادات، وأقوى الفرائض بعد الإيمان.
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية. (٢) انظر: البناية شرح الهداية (٣/٩)، ورد المحتار على الدر المختار (٥/ ٣٥٢).