لما كان ملاك الولاية الدينية والدنياوية، والرئاسة، والإحسان، والعدل، والسياسة، فإن بالإحسان يستعبد الإنسان، ويدفع التباغض والعدوان، وبالسياسة ينزجر السفهاء عن الطغيان، وبالعدل يستقيم الملك وتعمر البلدان، فكان شرع أحكام الجنايات من معظم معاقد الأمور، فأتبعها المصنف العبادات والمعاملات، وأخرها؛ لأنها ترجع إلى العارض، فأوردها عقيب الرهن؛ إذ كل واحد للوقاية والصيانة، فإن الرهن وثيقة لصيانة الدين عن الهلاك، فكذا حكم الجناية مشروعة لصيانة المكلف عن الهلاك، وفيما ذكرنا إشارة إلى محاسن أحكام الجنايات.
ثم الجناية لغة: اسم لما يجنيه من شر، أي: يكسبه، تسمية بالمصدر؛ إذ هي بالأصل مصدر جنى عليه شرا.
وأصله من جنى الثمر؛ وهو أخذه من الشجرة، وهو عام، إلا [أنه] (١) خص بما يحرم من الفعل شرعًا، سواء حل بنفس أو مال.
ويراد بإطلاق اسم الجناية عند الفقهاء: فعل حَلَّ في النفس أو الطَّرَفِ.
قال شيخ الإسلام: الجناية على النفس يسمى قتلا، وفيما دون النفس قطعًا وجرحًا، والقتل فعل يضاف إلى العباد، بحيث تزول به الحياة، وزوال الحياة بدون فعل العباد يسمى موتا.
وركنه: هذا أيضًا. وشرطه: كون محله حيوانا.
ثم لما كان قتل النفس المعصومة من أجل الكبائر وأخبثها؛ ابتدأ المصنف بتنويعه؛ فقال:(القتل على خمسة أوجه) إلى آخره.