للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بَابُ الجِزْيَةِ

[باب الجزية]

لما ذكر خراج الأرض، شرع في خراج الرأس وهو الجزية، وقدم الأول لما فيه من معنى المؤنة فيشارك العشر، وفي العشر معنى القربة فقدمه باعتبار العشر؛ لأن القربة مقدمة.

(الجزية): ما يؤخذ من الذمّي باعتبار رأسه والجمع الجزى مثل اللحية واللحى، وسميت بها لأنها تجزي؛ أي تقضي وتكفي في الذمي عن القتل؛ إذ بقبولها يسقط عنه القتل.

وجواز أخذها ثابت بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، والسنة ما روي أنه أخذها من مجوس هجر، وأخذ الحلل من نصارى بني نجران وكانت جزية، وفيه أخبار كثيرة من قوله: «فإنْ أجابوكَ فاقْبَلْ منهُم … » (١) الحديث وغيره.

وطعن بعض الملحدين وقال: كيف يجوز تقرير الكافر على الشرك الذي هو أعظم الجنايات بأخذ المال، ولو جاز ذلك جاز تقرير الزاني على الزنا بأخذ المال، وهذا يرجع إلى الكلام وأنه حكيم وإثبات النبوءات.

وقلنا: ليس المقصود هو المال بل الدعاء إلى الدين بأحسن الوجوه؛ لأنه بعقد الذمة يسكن إلى المسلمين، ويرى محاسن الدين فربما يسلم مع دفع شر قتالهم.

وأجمع المسلمون على أخذ الجزية؛ إذ بالجزية يرى صغار نفسه وعزة المؤمن فنأخذ منهم الجزية خلفًا عن النصرة التي فاتت بإصراره على الكفر؛ لأن من هو من أهل الإسلام فعليه القيام بنصرة الدار، وأبدانهم لا تصلح لهذه النصرة؛ لأنهم يميلون إلى أهل الحرب فيشوشون علينا أمر الحرب؛ فيؤخذ منهم المال ليصرف إلى الغزاة ليقومون بنصرة الدار.

ولهذا تختلف باختلاف حاله في الغنى والفقر؛ فإنه معتبر بأصل النصرة،


(١) جزء من حديث أخرجه مسلم (٣/ ١٣٥٧ رقم ١٧٣١) عن بريدة مرفوعا.

<<  <  ج: ص:  >  >>