للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

كِتَابُ الْهِبَةِ

[كتاب الهبة]

وقد ذكرنا وجه المناسبة في العارية وهو الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ولأن العارية كالمفرد والهبة كالمركب؛ لأن فيها تمليك العين مع المنفعة.

ثم محاسن الهبة لا تحصى، ولا تخفى على ذي النهى، فقد وصف الله تعالى ذاته بالوهاب فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، وهذا يكفي لمحاسنها.

ثم الهبة لغةً: أصلها من الوَهَب، والوَهْب بتسكين الهاء وتحريكها، وكذلك في كل معتل الفاء؛ كالوعد والعدة، والوعظ والعظة، فكانت من المصادر التي تحذف أوائلها، وتعوض في آخرها التاء.

ومعناه: إيصال الشيء للغير بما ينفعه، سواء كان مالا أو غير مال، يقال: وهبت له مالاً وهبًا وهبةً، ويقال: وهب الله فلانًا ولدًا صالحًا، قال تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، ويقال: وهبه مالاً، ولا يقال: وهبت منه، وسمي الموهوب هبة، وموهبة، والجمع هبات، ومواهب، واتَّهَبَه منه قبله، واستوهبه طلب الهبة.

وشرعًا: تمليك العين بلا عوض.

ودليل جوازها: الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هنيئًا مريا﴾ [النساء: ٤]، وإباحة الأكل بالوصف الحميد دليل جوازها، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِنَحِيَّةِ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والمراد بالتحية العطية، وقيل: المراد السلام والأول أظهر؛ فإن قوله ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ يتناول ردها بعينها، وذا إنما يتحقق في العطية؛ لأن رد عين الكلام غير ممكن، كذا في المبسوط (١).


(١) المبسوط للسرخسي (١٢/٤٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>