الحمد لله خالق الظلام والضياء، ومبدع الأشياء كما شاء، وجاعل العلماء بدور سماء الاقتداء، وشموس أفلاك الاهتداء، وخصهم بالدرجة العليا وسلوك طريق الأصفياء، وصيرهم خلفاء الأنبياء.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة صافية عن شوب الرياء، وخالصة عن الشك والبداء، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الرسل، وسيد الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه مصابيح الظلام والدُّجى، القامعين للكفرة والأعداء، وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد؛ فلما كان علم الفقه من أشرف العلوم وأعلاها بعد علم التوحيد وأصول الدين؛ لأنه مظهر حقيقة الصراط المستقيم وكيفية سلوك منهج [الدين](١) القويم، والكتب المصنفة فيه أكثر من أن تحصى؛ إلا أن كتاب "الهداية" للإمام الأعظم والحبر المقدم شيخ شيوخ الإسلام، حجة الله على الأنام شيخ الإسلام، برهان الدين أبي الحسن علي ابن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغيناني تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه بحبوحة جناته، جامع لكل ما أمكن جمعه في هذا الفن من فنون الدراية وعيون الرواية، بحيث لا يُعرف إلا بعد تجريد فكر، وتدقيق نظر، وقد شرح له الشارحون، واشتغل بتدريسه المشايخ المحققون أردت بعد فقدان كتبي أن أجمع الزائد من فوائد المشايخ والشارحين؛ ليكون ذلك المجموع كالشرح له، وأبين فيه أقوال الأئمة الأربعة من الصحيح والأصح والمختار، والقول القديم والجديد، ووجه تمسكهم في كل مسألة مع الأسئلة والأجوبة، ووجه التوفيق والجمع بقدر الوسع، وأذكر فيما لم يتضح لي من وجه التمسك وفيه تأمل؛ ترغيباً للمستفيدين
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبتناه من النسخة الثانية.