لا خلاف لأحد أن الوارث إذا تطوع بالحج عن الميت يجوز، قال محمد: لو حج عن أبيه وأمه أجزأه إن شاء الله لحديث الخثعمة (١)، وقيد هاهنا بالاستثناء، وفي كثير من الأحكام الثانية بخبر الواحد لم يقيد بالاستثناء لأنه حجة فيما يوجب العمل، وهاهنا طريقه العلم وهو سقوط حجة الإسلام عن الميت بأداء الوارث؛ فإنه أمر فيما بينه وبين الله تعالى، فلهذا قيد الجواب به.
روى ابن عباس أنه ﵇ قال:«مَنْ حَجَّ عَنْ أبويه، أو قضى عنهما مَعْرَمًا بُعِثَ يوم القيامةِ مع الأبرار»(٢)، وعن جابر أنه ﵇ قال:«مَنْ حج عن أبيه أو أمه فقد قَضَى عنهُ بِحَجَّتِهِ وكانَ لهُ فضلُ عَشْرِ حِجَجٍ»(٣)، وعن زيد بن أرقم عنه ﵇ أنه قال:«إذا حجَّ الرجل عن والديهِ تُقُبِّلَ منهُ ومنهما، واستبشَرَتْ أرواحُهُما، وكُتِبَ عندَ اللهِ تعالى برا»(٤). أخرجهن الدار قطني.
وفي المبسوط: لو أنفق المدفوع من مال نفسه، وفي مال الميت وفاء بحجه رجع به في ماله؛ لأنه قد يبتلى بالإنفاق من ماله نفسه في بعض الطريق (٥).
فلو نوى الحاج أن يقيم بمكة بعد النفر خمسة عشر يوما يطلب نفقته من مال الميت؛ لأن بهذه النية صار مقيمًا بمكة لحاجة نفسه لا لحج الميت، ولو أقام أقل منهما فهو مسافر فنفقته في مال الميت.
(١) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٤/ ١٦١)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٢/ ٨٥). (٢) أخرجه الدارقطني في السنن (٣/ ٢٩٩ رقم ٢٦٠٨)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨/١١ رقم ٧٨٠٠)، والبزار في المسند (١١/ ٣٠٣ رقم ٥١٧٤). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم له طريقا غير هذا الطريق. (٣) أخرجه الدارقطني في السنن (٣/ ٣٠٠ رقم ٢٦١٠). (٤) أخرجه الدارقطني في السنن (٣/ ٢٩٩ رقم ٢٦٠٧). (٥) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٤/ ١٤٧).