أورد الأشربة بعد الشرب؛ لأنهما شعبتا عرق واحد لفظا ومعنى، فلذلك أوردها هكذا، كما في عامة الكتب من المبسوط والذخيرة والمغني والتحفة والقدوري، إلا أنه قدم الشرب؛ لما أنه حلال أو لأنه في تبعية ذكر إحياء الموات؛ لأنه سبب الإحياء، والأشربة المحرمة سبب لموت العقل، فقدم الحياة على الموت.
ثم محاسن حرمة الأشربة المسكرة ظاهرة؛ لأنها مزيل للعقل الذي هو أشرف الأشياء وأعزها؛ لتعلق خطابات الشرع به، إلا أن الخمر أبيحت على الأمم الماضية؛ لطول أعمارهم وجسامة أبدانهم، فيتحملون آفة الشراب، ولا يتسارع إليهم السكر، ففي إباحتها صلاح لهم كثيرة نفعها، أما هذه الأمة فقصيرة أعمارها ضعيفة الأبدان، ويتسارع إليهم السكر بشرب قليل منها، فصلاحهم في حرمتها قليلها وكثيرها، وإنما أبيحت في بدء الإسلام ليعاينوا (١) الفساد في الخمر، حتى إذا حرمت عليهم عرفوا منة الحق لديهم، وليس الخبر كالمعاينة.
فالأشربة: جمع الشراب، وهو كل ما يشرب من المائعات لغةً. والمراد في هذا الكتاب ما حرم منها، وسمي الكتاب بها؛ لما فيه من بيان حكمها، كما سمي كتاب البيوع والحدود.
قوله:(والأشربة … ) إلى آخره.
وفي المحيط: الأعيان التي تتخذ منها الأشربة: العنب والتمر والزبيب،
(١) في الأصل: (لتعاونوا) والمثبت من النسخة الثانية.