للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ: (وَمَنْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا قَضَاهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيهِ، وَلَا لُزُومَ عَلَى المُتَبَرِّعِ. وَلَنَا: أَنَّ المُؤَدَّى وَقَعَ قُرْبَةً فَيَلْزَمُ

فإن قيل: معناه إلا أن تفعل ما ليس عليك.

قلنا: نعم، لكن إذا فعل ما ليس عليه يصير عليه حفظه لحكم الاستثناء، ولأن القدر المشروع فيه عمل على سبيل القربة؛ فيحرم عليه إبطاله، وبالخروج عما بقي يبطل ما مضي؛ لأنه مما لا يتحرى، فيحرم بهذا حتى إذا كان لا يبطل لا يحرم، وما ذكر من الشروع في التطوع بنية الأربع يصلي ركعتين من قبيل ذلك؛ فلذلك لا يحرم.

فإن قيل: العبادة لا تتم قربة إلا بآخرها؛ لأنها لا تتجزأ، ولما توقف الجزء الأول على الآخر ليصير قربة لم يحرم إبطال ما صنع؛ لأنه لا يتم قربة كالذي أخرج المال للصدقة، وقال للفقير: تصدقت به عليك؛ لم يلزمه التسليم، وإن كان ما وجد من جملة القرب.

قلنا: إذا شرع في الصوم أو الصلاة فهو متقرب إلى الله تعالى بفعل الصوم أو الصلاة، والفعل حاصل، وهو الركن أو القيام إلى الصلاة، وإنما عدم ما يسمى صومًا أو صلاة.

فأما الصدقة: فإنها شرعت قربة؛ لما فيه من صلة الفقير وإغنائه، ومن هذا الوجه لم يثبت منه شيء قبل التسليم، وإنما يثبت [إذا] (١) سلم.

وأما قوله: (فإنه متبرع): فلا يلزمه ما لم يتبرع به، فإنا لا نقول إن تبرعه بما ليس عليه يلزمه ما لم يتبرع به، ولكن وجب عليه حفظ المؤدى؛ لكونه قربة، فإن التحرز عن إبطال العمل واجب بالنص، ولأنا لو أبحنا له الترك وخيرناه؛ بطل ما مضى باعتبار، فرجحنا جانب العبادة على جانب المباح من الفعل، وهو أصل في الشرع؛ ألا ترى أن الرجل إذا كان في الصلاة في جانب منها مقيما، وفي جانب مسافرًا؛ تلزمه صلاة الإقامة، وإن قصد الترخص بالقصر؛ فيرجح الموجب على المسقط، فكذلك هاهنا، على أنا لا نقول ما بقي


(١) في الأصل: (إنما)، والمثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>