الكتاب ابتدعوها رهبانية ولم تكتب عليهم، ثم لم يرعوها حق رعايتها ففسقوا، والرهبانية هي: الاعتزال عن الناس للعبادة أبدا، فلولا أنها كانت سبب التزام لما ابتدعوا ما سبقوا بالترك، وشريعة من قبلنا تلزمنا ما لم يظهر نسخها، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فإذا حرم الإبطال لزم الإتمام، فإذا لزم الإتمام يجب القضاء بعد الإتمام.
وما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، فَأُهِدَي لَنَا حيس، فأكلنا، فدخل النبي ﵊، فابتدرنا لنسأله، فبدرتني حفصة وكانت ابنة أبيها سباقة إلى الخيرات، فقال ﵊:«اقضيا يوما مكانه»(١)، فإن كان هذا بعد حديث أم هانئ كان ناسخا، وإن كان قبله تبين به أن المراد من قوله:«إن شئت قضيته وإن شئت لا»(٢) تأخير القضاء وتعجيله، أو تبين أنه ﵊ خص أم هانئ ﵂ بإسقاط القضاء لقصدها إلى التبرك بسؤره ﵊، وكأنها غفلت عن صومها؛ لفرط قصدها إلى التبرك.
كما أن أبا طيبة لما حجم رسول الله ﷺ شرب دمه ﵊، فقال له ﵊:«حرَّمَ اللهُ جسدك على النَّارِ»(٣)، وشرب الدم لا يوجب هذا، ولكنه لفرط المحبة غفل عن الحرمة، فأكرمه النبي ﵊ بذلك، وحديث سؤال أعرابي عن أركان الدين، فبين ﵊ له الإيمان والصلاة وغيرهما، فقال: هل علي غيرهن؟ قال:«لا إلا أن تَطَّوَّعَ»(٤) فاستثنى التطوع عن النفي وكان إيجابًا.
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠ رقم ٨٦٢٣ - ٨٦٢٥) وأعله ابن أبي حاتم في العلل (٣/ ١٧٣، رقم ٧٨٢). (٢) تقدم تخريجه قريبا. (٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢/ ٣١٦) في ترجمة (نافع أبو هرمز الجمال) وضعفه جدا ابن الملقن في البدر المنير (١/ ٤٧٤). (٤) أخرجه البخاري (١/١٨، رقم ٤٦)، ومسلم (١/٤٠، رقم ١١) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁.