ولأن ذكوان مولى عائشة كان يؤم عائشة في رمضان ويقرأ من المصحف (٢)، ولأنه قرأ القرآن فيجزيه، كما لو قرأ عن ظهر قلب؛ وهذا لأن الفساد لا يَخْلُو إما أن يكون لأجل حمله، أو لأجل النظر فيه، أو لأجل تقليب الأوراق، لا جائز أن يكون لأجل الحمل؛ لأن حمل ما هو أكثر من المصحف لا يوجب الفساد؛ ألا ترى أنه ﵇ كان يصلي وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فكان يضعها إذا سجد، ويحملها إذا رفع رأسه من السجود، ولا جائز أن تكون لأجل النظر؛ لأنه عبادة كما ذكرنا، فانضافت إلى عبادة أخرى، ولأن النظر فيه لا يكون أكبر حالا من النظر في النقوش في المحراب، وهو لا يوجب الفساد، ولا جائز أن يكون لتقليب الأوراق؛ لأنه عمل قليل لا يوجب الفساد.
(إلا أنه)؛ أي: النظر إلى المصحف (يكره لأنه تشبه بصنيع أهل الكتاب)؛ فإنهم يفعلون كذلك، وقال ﵇:«لا تَتَشبَّهوا باليهود ولكن خالفوهم»(٣) فنهينا عن التشبه بهم فيما لنا منه بد. كذا في الكافي (٤).
وقال الشافعي (٥)، وأحمد (٦): لا يكره أيضاً؛ لحديث ذكوان.
(والنظر فيه)؛ أي في المصحف والتفكر بفهم (عمل كثير)؛ وهو مفسد كالرمي بالقوس، وهذه النكتة توجب أن لو نظر في مصحف موضوع بين يديه وقرأ، أو قرأ ما هو مكتوب في المحراب؛ لا تفسد صلاته، وهكذا روي عن الكرخي.
(١) انظر: حاشية الشَّلْبِيّ على تبيين الحقائق (١/ ١٥٨)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٠٣). (٢) ذكره البخاري (١/ ١٤٠) تعليقا، ووصله عبد الرزاق (٢/ ٣٩٣، رقم ٣٨٢٥). (٣) بنحوه أخرجه الترمذي (٤/ ٣٥٣، رقم ٢٦٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ مرفوعا، وقال: إسناده ضعيف. (٤) انظر: العناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٠٣)، والبناية شرح الهداية للعيني (٢/ ٤٢٠). (٥) انظر: حلية العلماء لأبي بكر الشاشي (٢/ ١٠٦)، والبيان للعمراني (٢/ ٣١١). (٦) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٤١١)، والشرح الكبير لشمس بن قدامة (١/ ٦٣٨).