فإن قيل: خرج وجوب الغسل والمسح مخرج الجزاء للشرط، قال الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦] تقديرها: فاغسلوا هذه الأعضاء للقيام إليها كما يقال: جاء الشتاء فتأهب، ولا يعني بالنية سوى هذا.
قلنا: هذا مُسلَّم فيما إذا كان ذلك حكما غير شرط لحكم آخر، أما إذا كان فلا يشترط فيه ذلك لأن الشرط يراعي وجوده لا وجوده قصداً كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] فإنه خرج مخرج الجزاء للشرط، لكن لما كان شرطًا لحكم آخر لا يشترط فيه النية حتى لو سعى لغير أداء الجمعة فأدى به الجمعة يجوز بالإجماع.
وحديثه حجة لنا لأن ظاهره يقتضي أن تكون جميع الأعمال ملصقا بالنية إما حقيقة أو حكمًا، والأول غير مراد [لوجودها](١) حسا بدون النية فيكون المراد حكم الأعمال بالنيات.
والحكم نوعان مختلفان فيكون مشتركًا ولا عموم له، أو مقتضى ولا عموم له، وقد عرف هذا البحث في الأصول (٢).
فإن قيل: الوضوء طهارة شرعية لعدم النجاسة على الأعضاء حقيقة وحكما فلا يحصل بدون النية كالتيمم.
قلنا: الأعضاء محكومة بكونها نجسة لأنه أمر بتطهيرها، وهو لا يتحقق بدون النجاسة، والماء مطهر بطبعه فإذا لاقى النجس طهره قصد به أو لا كما بينا، فالشافعي نظر إلى المحل، وقال: النية شرطت في الخلف لأنه لم يعقل إنصاف المحل بها فتشترط في الأصل.
ونظرنا إلى الأدلة وقلنا: إنما شرطت في الخلف لأن الآلة ما أعدت للتطهير فلا يتعدى إلى الأصل إذ الماء يعد للتطهير، وفيه بحث ذكرناه في شرح المنار في دفع المناقضة.
(١) وقع في الأصل: (لودها)، والمثبت من النسخة الثانية. (٢) انظر: أصول السرخسي (١/ ١٢٥)، وكشف الأسرار شرح أصول البزدوي (١/٣٦).