وعن ابن شريح والصعلوكي من أصحاب الشافعي: يشترط النية فيها أيضًا، ولأن العبادة فعل العبد باختياره على خلاف هوى النفس تعظيما لله تعالى، وثبات على فعله وإزالة النجاسة الحقيقية من التروك؛ فالمقصود هجران النجاسة، والتروك لا تعتبر فيها النية كترك الشرب والزنا وغيرهما.
ولنا أنه لا يقع، هذا قول بموجب العلة، يعني عدم وقوعها قربة بدون النية مُسلَّم، لكن الكلام فيما رواه وهو أن استعمال الماء الطاهر هل يوجب الطهارة أم لا؟
فقلنا يوجب؛ لأن الماء طهور بطبعه، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨] ليطهركم، فإذا لاقى النجاسة طَهَّرَهُ سواء قصد استعمال الطهارة أم لا؛ كالماء للإرواء، والطعام للإشباع.
فإذا ثبتت الطهارة بهذا الطريق كان مفتاحًا للصلاة كسائر الشروط، إذ الشرط يراعي وجوده لا وجوده قصدًا.
وقال ﵇:«الطهور مفتاحُ الصَّلاةِ»(١)، وروى البخاري ومسلم أنه ﵇ علم الأعرابي الوضوء ولم يذكر له النية (٢)، فلو كانت شرطا لصحته لبينها في وقت الحاجة إذ الأعرابي كان جاهلا بأحواله، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولأنه غير مقصود بنفسه بل للصلاة، ولهذا لم يصح النذر به بخلاف التراب فإنه لم يعقل مطهرًا في حال إرادة الصلاة فلا يصح بدونها.
ولأن الله تعالى أمر بالغسل والمسح مطلقًا فكان اشتراط النية فيهما زيادة على النص بخبر الواحد بخلاف التيمم فإنه عبارة عن القصد لغةً فكان اشتراط النية فيه بالنص، كما يجيء.
(١) أخرجه أبو داود في سننه (١/١٦) رقم (٦١)، والترمذي في سننه (١/ ٥٤) رقم (٣)، وابن ماجه في سننه (١/ ١٠١ رقم ٢٧٥) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٥٢ رقم ٧٥٧)، ومسلم في صحيحه (١/ ٢٩٧ رقم ٣٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.