وعن أبي حنيفة روايتان لأبي يوسف أن الرجوع نفي الوصية في الحال، والجحود نفي لها في الماضي والحال، فأولى أن يكون رجوعًا، ألا ترى أن جحود التوكيل عزل، وجحود المتبايعين إقالة.
(ولمحمد أن الجحود) إلى آخره يعني الرجوع عن الشيء يقتضي وجود ذلك الشيء، والجحود يقتضي سبق عدمه، إذ الجحود نفي لأصل العقد.
فلو كان الجحود رجوعًا لاقتضى وجود الوصية وعدمها فيما سبق وهو محال، أو يقال: العدم في السابق من لوازم الجحود، والوجود في السابق من لوازم الرجوع، وتنافي اللازمين يستلزم تنافي الملزومين، ولا يلزم أحد المحالين، وهو الجمع بين اللازمين المتنافيين أو وجود الملزوم بدون اللازم، فكان بين الجحود والرجوع منافاة ضرورة كونهما ملزومين، فلا يكون الجحود رجوعًا؛ لأن أحد المتنافيين لا يكون مستلزما للآخر، ولهذا لا يكون جحود النكاح فرقة.
فإن قيل: ينبغي أن يكون الجحود رجوعًا مجازًا عن الرجوع تحرزا عن إلغاء كلامه وصيانته عن الكذب، كما قال أبو حنيفة في أكبر سنا منه هذا ولدي يجعل مجازا عن العتق لصيانة كلامه عن الإلغاء.
قلنا: لو جعلنا هذا الكلام رجوعًا لبطل الأول وهو إيصاؤه، والإيصاء بابه أوسع وتنفيذه أنفع تلافيًا لما [فرط](١) فرجحنا جهة تصحيح الأول بخلاف مسألة أكبر سنا منه، فإن العتق أسرع نفوذًا من سائر التصرفات، كذا نقل عن العلامة مولانا حميد الدين ﵀.
وفي النهاية: تأخير المصنف دليل محمد يدل على أن اختياره قول محمد. ولكن ذكر في الذخيرة، والمبسوط: والأصح قول أبي يوسف، فوجه الأصح أن الجحود كذب حقيقة إلا أنه يحتمل الفسخ مجازا، فيحمل وهو الفسخ صيانة لكلام العاقل عن الإلغاء.