للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، لَمْ تَجُز الوَصِيَّةُ) لِأَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الوَصِيَّةِ، لِأَنَّهُ أَهَمُّ الحَاجَتَيْنِ، فَإِنَّهُ فَرْضٌ، وَالوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ، وَأَبَدًا يُبْدَأَ بِالأَهَمِّ فَالأَهَمِّ. (إِلَّا أَنْ يُبْرِئَهُ الغُرَمَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ، فَتَنْفُذُ الوَصِيَّةُ عَلَى الحَدِّ المَشْرُوعِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهَا.

قَالَ: (وَلَا تَصِحُ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَصِحُ إِذَا كَانَ فِي وُجُوهِ

وقلنا: إنه عطية فصادفت المعطى له ميتا، فلم تصح، كما لو وهب ميتا، والوصية للميت ابتداء لا تجوز عندنا، والشافعي، وأحمد.

وقال مالك: إن علم موته حين الوصية تصح، فهي لورثته؛ لأن غرضه نفع ورثته.

وقلنا: الورثة تفتقر إلى القبول، فلم تصح للميت.

قوله: (لأن الدين يقدم على الوصية)، ولا يعلم فيه خلاف.

وفي الكشاف: وإنما قدم الوصية على الدين في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنِ﴾ [النساء: ١١] مع أن الدين مقدم شرعًا؛ لما أن الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان إخراجها مما يشق على الورثة، ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم (١) مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثًا على المسارعة إلى إخراجها ووجوبها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة أو للتسوية بينهما في الوجوب.

وفي المبسوط: على أنكم تقرون الوصية قبل الدين، وكان يبدأ بالدين، وهكذا عن ابن عباس، فهذا منه إشارة إلى التقديم والتأخير في الآية، وقضاء الدين من أصول حوائجه؛ لأن ذمته تفرغ به، والوصية ليست من أصول حوائجه، وحاجته مقدمة في تركته، فصار كتجهيزه وتكفينه.

قوله: (ولا تصح وصية الصبي) سواء مات قبل الإدراك أو بعده، وبه قال


(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، وأثبتناه من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>