للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَالحُجَّةُ عَلَيْهِ فِي الفَصْلَيْنِ مَا بَيَّنَّاهُ (وَلَوْ أَجَازَتْهَا الوَرَثَةُ، جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَجُوزُ) (*) لِأَنَّ جِنَايَتَهُ بَاقِيَةٌ وَالامْتِنَاعُ لِأَجْلِهَا.

وفي هذا المعنى لا فرق بين تقدم الوصية على الجرح وبين تأخره، بخلاف الكفر والرق، فإن حرمان الإرث بهما لانعدام الأهلية لا لدفع المغايظة.

قيل: هذا معنى فقهي، لكن لا يدفع ما يرد على تعليل الكتاب.

قوله: (والحجة عليه في الفصلين) أي: فيما إذا أوصى بعد القتل أو قبله (ما بيناه) من الحديث والمعنى؛ إذ بعمومه يتناول الفصلين، وروى الدارقطني الحديث.

فإن قيل: يشكل بالمدبر، فإنه إذا قتل سيده يعتق مع أن التدبير وصية، ولا وصية للقاتل، فينبغي أن لا يستحق العتق، ويبطل التدبير، كما هو مذهب أحمد عملا بعموم الحديث.

قلنا: إنما يعتق لأن الموت جعل شرط عتقه، ومن حيث إنه شرط عتق لا ينعدم بالقتل؛ لأن القتل بغير حق يجوز أن يكون شرطًا للعتق، وكذلك سائر المعاصي، ولكن يسعى المدبر في جميع قيمته؛ لأنه تعذر رد العتق، فيكون الرد بإيجاب السعاية كذا في المبسوط، والأسرار.

قوله: (والامتناع لأجلها) أي: لأجل الجناية؛ لأن الوصية أخت الميراث، ولا ميراث للقاتل وإن رضي به الورثة، فكذا الوصية، ولأن الحرمان شرع دفعًا لغيظ الورثة حتى لا يشاركهم من سعى في قتل أبيهم، وهذا ينعدم بإجازتهم.

أما حرمان الميراث من جهة الشرع لا من جهة العبد، فلا تعمل فيه إجازة، والحرمان هنا من جهة العبد فجاز أن تعمل الإجازة فيها.

وأما قوله: إن حرمانه كان بطريق العبودية غير مسلم، بدليل أنه يستوي فيه العامد والخاطئ، والخاطئ لا يستحق العقوبة، وإنما حرمانه دفعًا لغيظهم، وهذا ينعدم بإجازة الورثة، ولهذا لو كان القاتل صبيا لم يحرم عن الميراث ولا عن الوصية؛ لأنه بمعزل من الغيظ؛ لقصور عقله، فلا يغيظ فعله الورثة مثل


(*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.

<<  <  ج: ص:  >  >>