وقال الشافعي، وأحمد، وأكثر فقهاء الحجاز، ومالك: يضمن؛ لما أفسدت ليلا دون النهار؛ لما روي عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة، أن ناقةً للبراء دخلت حائط قوم فأفسدته، فقضى ﷺ«أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدته بالليل فهو مضمون عليهم»(١).
قال ابن عبد البر: إن كان هذا مرسلًا فهو مشهور، تلقاه فقهاء الحجاز بالقبول.
ولأن العادة في المواشي إرسالها في النهار للرعي، وحفظها ليلا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا دون الليل فإذا ذهبت ليلا؛ كان التفريط من صاحبها بتركه حفظها، في وقت عادة الحفظ، وفي النهار كان التفريط من أهل الزرع، فكان عليهم، ولهذا فرق النبي ﷺ.
وأما غير الزرع فلا يحتاج إلى حفظها عادة، فلا يضمن، فعلى هذا: لو أحرز المواشي صاحبها، فانفلتت وأفسدت الزرع؛ لا يضمن عند بعض أصحاب الشافعي، وأحمد؛ لعدم التعدي منه.
وعن بعض أصحاب مالك: لو أهملها صاحبها ولم يجعل عليها حافظًا بالنهار فأفسد الزرع؛ يضمن.
قلنا: حديثنا متفق عليه مشهور، وما رواه الشافعي مرسل، وليس بحجة عنده، وأحسن طرقه: ما رواه مالك عن الزهري عن حرام بن سعد بن محيصة مرة يرويه عن أبيه، ولا صحبة لأبيه، ومرة عن البراء فقط، وحرام بن سعد بن محيصة مجهول، لم يرو عنه أحد إلا الزهري، ولا يعلم للزهري عنه غير هذا الحديث، ولم يوثقه الزهري، وهو قد يروي عمن لا يوثق، كروايته (٢) عن سليمان بن قرم، ومنهال مولى أم سلمة، وغيرهم من المجاهيل، والهلكي، فسقط التعلق بهذا الخبر، مع أنه يجوز أنه ﵊ أوجب الضمان
(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٨ برقم ٣٥٦٩)، وابن حبان (١٣/ ٣٥٤ برقم ٦٠٠٨) من حديث البراء بن عازب ﵁. (٢) في الأصل: (بروايته) والمثبت من النسختين.