للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَمَطْرَحًا لِحَصَائِدِهِمْ) لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا حَقِيقَةٌ، أَوْ دَلَالَةٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، فَلَا يَكُونُ مَوَاتًا، لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الطَّرِيقِ وَالنَّهْرِ. عَلَى هَذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ مَا لَا غِنَّى بِالمُسْلِمِينَ عَنْهُ، كَالمِلْحِ وَالآبَارِ الَّتِي يَسْتَقِي النَّاسُ مِنهَا لِمَا ذَكَرْنَا.

أحمد في رواية والليث. وقال الشافعي وأحمد في رواية: يجوز إحياؤها؛ لأنه موات في دار الإسلام، ولم يتعلق به حق لأحد.

وقال مالك: أهل العامر أحق بإحيائه من غيرهم؛ لتعلق حقهم به في الجملة.

وقلنا: تعلق حقهم به لجواز أن يحتاجوا إلى فتح باب حائط إليه، أو جعله مسرحة، أو مربضة للغنم، أو بيدرة للزراع، أو (مَطْرَحًا لحصائدهم)؛ فلم يجز تفويت ذلك عليهم، بخلاف البعيد.

قوله: (لا يجوز أن يُقْطِعَ) يقال أقطع السلطان أرضًا: هو إعطاؤه إياها، وتخصيصه بها. كذا في الطلبة. (ما لا غنى للمسلمين عنه) أي: لا بد لهم منه (كالملح والآبار التي يستقي الناس) أو المرعى التي يحتاج الناس إليه؛ لتحقق حاجتهم إليه.

وقوله: (لما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (لتعلق حقهم بها) ولا يعلم فيه خلاف.

وروى الترمذي وأبو داود (١) وأبو عبيد بإسنادهم عن أبيض بن حمال أنه استقطع النبي الملح الذي بمأرب، فلما وَلَّى قيل: يا رسول الله، أتدري ما أقطعته له؟ إنما أقطعته الماء العِدَّ، يعني أنه لا ينقطع، فَرَجَعَهُ فقال: «فلا إِذَنْ».

وعن هذا قال مشايخنا: من السُّحْتِ؛ ما يأخذه الرعاة والولاة على الماء والكلا والجبال، والمروج والمعادن والملح وجميع المباحات. ذكره في التتمة والقنية والمجتبى وغيرها، ولا يعلم فيه خلاف.

وأما الحمى، وهو أن يحمي السلطان أرضًا من الموات يمنع الناس رعي ما فيها يختص بها نفسه دونهم كالعرب في الجاهلية يفعلون ذلك، فعندنا لا يجوز.


(١) أخرجه أبو داود (٣/ ١٧٤ رقم ٣٠٦٤) والترمذي (٣/ ٥٧ رقم ١٣٨٠) من حديث أبيض بن حمال وقال: غريب. وصححه ابن حبان (١٠/ ٣٥٠ - ٣٥١ رقم).

<<  <  ج: ص:  >  >>