قوله:(وهو قول مالك)، وبه قال الأوزاعي، وأبو عبيد، وبقولهما قال الشافعي وأحمد وأبو ثور، والليث، وابن المبارك، وابن سيرين، وابن الزبير، والحسن، وعطاء، والأسود بن يزيد، وسعيد بن جبير؛ لحديث جابر «أنه حرَّمَ الحمر الأهلية يوم خيبر وأذِنَ في الخيل»، حديث صحيح (١).
ولأبي حنيفة ﵀ قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] الآية، والآية سيقت لبيان المنة، وقد منَّ علينا بالركوب، ولم يبين الأكل، فكان الأولى بيان منفعة الأكل؛ لأنه أعظم وجوه المنافع؛ إذ فيه بقاء النفوس، ولا يليق بالحكيم العدول عن أعظم المنافع إلى الأدنى عند إظهار المنة، وهذا الاستدلال منقول عن ابن عباس.
فإن قيل: إنما لم يذكر؛ لأنه يفهم الأعلى بذكر الأدنى بالطريق الأولى، كما في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، يفهم حرمة الضرب والشتم بطريق الأولى دون العكس.
قلنا: إنما يصح ذلك إذا كان البيان بطريق الكفاية، وما نحن بصدده من قبيل بيان النهاية، ألا ترى إلى قوله تعالى فيما سبق ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ [النحل: ٥]، وعطف عليه ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾، ولو كان المراد ما ذكرتم لاكتفى بقوله ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ من غير ذكر شيء آخر من المنافع، فلما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ علم أن حكم المعطوف عليه غير حكم المعطوف.
فإن قيل: إنما يستقيم هذا أن لو كان المقصود من النص الامتنان بمطلق النعمة، أما لو كان المقصود الامتنان بالنعمة المخصوصة فلا يستقيم هذا ولئن سلمنا، لكن لا نسلم أن منفعة الأكل في الخيل فوق منفعة الركوب والزينة.
أما قوله: منفعة الأكل يتعلق بها البقاء في الجملة، ولكن غيره يَسُدُّ مَسَدَّهُ فيها، وهو الغنم والبقر وغيرهما.
أما منفعة الركوب والزينة في الخيل لا يسدُّ غيرَهُ مسَدَّهُ، فإن الركوب