ولا يقال: إنما كره رسول الله ﷺ تصدقها؛ لأنها عَافَتْهُ لا لأنه حرام، والتصدق بما يعافه المرء مكروه؛ لأنا نقول ذلك إذا كان الإنسان قادرًا على غيره، أما إذا لم يكن عنده سواه، أو نفر منه طبعه دون طبع غيره فلا يكره.
والحال أن عند عائشة لم يكن غيره فعلم أنه ﵊ إنما كرهه؛ لكونه حرامًا لا لكونه رديئًا يعافه، ألا ترى أنه ﷺ[نهاها](١) عن التصدق، ولو لم يكن نهيه للحرمة لأمرها بالتصدق، كما أمر في شاة الأنصار، والحديث الذي يدل على إباحته محمول على أنه كان قبل ثبوت الحرمة [فإن](٢) الأصل أنه متى تعارض الدليلان أحدهما محرم والآخر مبيح يغلب المحرم، كذا في المبسوط، وشرح الأقطع.
وقوله:(فلما ذكرنا) إشارة إلى قوله: (إنه ذو ناب)، يدخل فيه الضبع، يعني أنه ذو ناب.
قوله:(والسلحفاة من خبائث الحشرات)، أجمع [أهل](٣) العلم أن المستخبثات حرام بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وما استطابه العرب حلال لقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾، وما استخبثه العرب فهو حرام بالنص، والذين تعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل الأمصار؛ لأن الكتاب نزل [عليهم](٤) وخوطبوا به، ولم يعتبر أهل البوادي؛ لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما يجدون، وما وجد في أمصار المسلمين مما لا يعرفونه أهل الحجاز رُدَّ إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز.
فإن لم يشبه شيئًا فهو مباح؛ لدخوله تحت قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾
(١) مثبتة من النسخة الثانية. (٢) في الأصل (كان)، والمثبت من النسخة الثانية. (٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية. (٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.