للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فِيهِ مَعْنَى الإِفْرَازِ لِتَقَارُبِ المَقَاصِدِ، وَالمُبَادَلَةُ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الجَبْرُ كَمَا فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَهُمْ بِطَلَبِ القِسْمَةِ يَسْأَلُ القَاضِيَ أَنْ يَخُصَّهُ بِالِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ وَيَمْنَعَ الغَيْرَ عَنْ الانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ، فَيَجِبُ عَلَى القَاضِي إِجَابَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةٌ لَا يُجْبِرُ القَاضِي عَلَى قِسْمَتِهَا لِتَعَذُّرِ المُعَادَلَةِ بِاعْتِبَارِ فُحْشِ التَّفَاوُتِ فِي المَقَاصِدِ، وَلَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا جَازَ لِأَنَّ الحَقَّ لَهُمْ. قَالَ: (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ قَاسِمًا يَرْزُقُهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ لِيَقْسِمَ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ أَجْرٍ) لِأَنَّ القِسْمَةَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ القَضَاءِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَتِمُّ بِهِ قَطْعُ المُنَازَعَةِ فَأَشْبَهَ رِزْقَ القَاضِي، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ نَصْبِ القَاسِمِ تَعُمُّ العَامَّةَ فَتَكُونَ كِفَايَتُهُ فِي مَالِهِمْ غُرْمًا بِالغُنْمِ، قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، نَصَّبَ قَاسِمًا يَقْسِمُ بِالْأَجْرِ) مَعْنَاهُ: بِأَجْرٍ عَلَى المُتَقَاسِمِينَ، لِأَنَّ النَّفْعَ لَهُمْ عَلَى الخُصُوصِ، وَبِقَدْرِ أَجْرِ مِثْلِهِ كَيْ لَا يَتَحَكَّمَ بِالزِّيَادَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَرْزُقَهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ وَأَبْعَدُ عَنْ التَّهْمَةِ.

وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا مَأْمُونًا عَالِمًا بِالقِسْمَةِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ القَضَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ القُدْرَةِ وَهِيَ بِالعِلْمِ، وَمِنْ الاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ: وَهُوَ بِالأَمَانَةِ (وَلَا يُجْبِرُ القَاضِي النَّاسَ عَلَى قَاسِمٍ وَاحِدٍ) مَعْنَاهُ: لَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرُوهُ، لِأَنَّهُ

قوله: (أبعد عن التهمة) (١) أي: تهمة الميل إلى أحد المتقاسمين بسبب ما يعطيه بعض الشركاء.

زيادة وفي أدب القاضي للصدر الشهيد: لا يجوز للقاضي أخذ الأجرة على القسمة، وأنها واجبة عليه، وللقاسم يجوز.

وفي الذخيرة: يجوز للقاضي أخذ أجرة القسمة؛ لأن القسمة ليست بقضاء حقيقة حتى لا يجب على القاضي مباشرتها، وإنما الواجب عليه جبر الآبي على القسمة، إلا أن لها شبها بالقضاء من حيث إنها تستفاد بولاية القاضي حتى ملك جبر الآبي دون غيره، فمن هذا الوجه لا يستحب له أخذها، وبه قالت الأئمة الثلاثة، إذا لم يكن فللقاضي من بيت المال رزق.


(١) في الأصل: (القيمة) والمثبت من النسخة الثانية، والثالثة.

<<  <  ج: ص:  >  >>