للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شَيْءٍ عَلَيْهِ. لَهُ: أَنَّ المَنَافِعَ أَمْوَالٌ مُتَقَوَّمَةٌ حَتَّى تُضْمَنَ بِالعُقُودِ فَكَذَا بِالغُصُوبِ. وَلَنَا: أَنَّهَا حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الغَاصِبِ لِحُدُوثِهَا فِي إِمْكَانِهِ إِذْ هِيَ لَمْ تَكُنْ حَادِثَةٌ فِي يَدِ المَالِكِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ لَا تَبْقَى فَيَمْلِكُهَا دَفْعًا لِحَاجَتِهِ، وَالإِنْسَانُ لَا يَضْمَنُ مِلْكَهُ، كَيْفَ وَأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ غَصْبُهَا وَإِتْلَافُهَا؛

ولنا قوله «الخَرَاجُ بِالضَّمانِ» (١) وضمانها على الغاصب، وما روي أن عمر وعليا حكما في ولد المغرور بالقيمة، وأوجبا على المغرور ردَّ الجارية مع عقرها، ولم يوجبا قيمة الخدمة مع علمهما أن المغرور كان يستخدمها، ومع طلب المدعي جميع حقه، ولو كان ذلك واجبًا لما حل لهما السكوت عن بيانه، وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكرهما أحد من الصحابة، فصار ذلك إجماعًا سكوتيًّا.

ولأن المنافع حدثت على ملك الغاصب، فلا تكون مضمونة عليه، إذ الإنسان لا يضمن ملك نفسه، وهذا لأنها حدثت بفعله وكسبه وفي يده، والكسب للكاسب لقوله : «كُلُّ الناس أحقُّ بكَسْبِهِ»، وهذا بمعنى قوله: (لحدوثها في إمكانه) أي: في تصرفه وقدرته، ولئن سلمنا حدوثها على ملك المالك فلا يتصور غصبها وإتلافها، فلا يجب عليه ضمان الغصب والإتلاف؛ لأنها أعراض لا تبقى، وما لا يبقى لا يتصور غصبه وإتلافه، إذ إتلاف الشيء وغصبه إنما يرد في حال بقائه، وهذا معنى قوله (كيف ولا يتحقق غصبها وإتلافها) إلى آخره.

وفي المبسوط: إتلاف المنفعة لا يتصور إما أن يكون قبل وجودها أو مقارنا للوجود وبعد الوجود لا وجه للأول؛ لأنها معدومة، والمعدوم غير قابل الإتلاف، ولا وجه للثاني؛ لأنه إذا قارن الوجود يمنع الوجود، والإتلاف يرد على الموجود ولا وجه للثالث؛ لأنها إذا وجدت فنيت، فكانت بعد الوجود زمان الفناء، وزمان الفناء زمان العدم، فلا يتصور الإتلاف.


(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٤ رقم ٣٥٠٨)، والترمذي (٢/ ٥٧٢ رقم ١٢٨٥)، وابن ماجه (٢/ ٧٥٤ رقم ٢٢٤٣)، والحاكم (٢/١٥) رقم (٢١٨٠) من حديث عائشة .
وصححه الترمذي، والحاكم.

<<  <  ج: ص:  >  >>