بفعل الغاصب وزال اسمها وعظم منافعها صار مستهلكا، فصار كأنه استهلكه، والمستهلك مضمون عليه بمثله، والمحصول له لأنه كسبه، والكاسب أحق بكسبه، وهذا معنى قوله:(هالك من وجه) إذ قيام الشيء بصورته ومعناه، وقد انعدمت الصورة كتبدل الاسم وهو ظاهر، إذ هو الدقيق غير صورة الحنطة. وكذا انعدم المعنى لانعدام عظم منافعها، فإن الحنطة تصلح لأشياء كثيرة مثل البذر، والكشك، والهريسة، والنَّشاسْتَج (١) وغيرها، وبالطحن تهلك المنافع، وإذا ثبت المغايرة بينهما صورة ومعنى فيكون الأول مستهلكا ضرورة، إذ الشيء الواحد يستحيل أن [يكون](٢) شيئين مختلفين في الصورة والمعنى، ولا يقال المقصود الأصلي بالحنطة التغذي؛ لأنها خلق لمصالح الأنفس، وكذا في سائر المطعومات، وبالطحن لم يَفُتْهُ ذلك، وكذا بالزراعة؛ لأن الزراعة استدامها فيكون وسيلة إليه.
ولهذا يجري الربا بين الدقيق والحنطة ولا ربا بدون المجانسة؛ لأنا نقول لا شك في فوات الصورة، وبفواتها يفوت المعنى، إذ المعنى قائم بالصورة، ولا نسلم أن المقصود من الحنطة الأكل، إذ العقلاء ما اعتادوا أكل غير الحنطة إلا بعد القلي، واتخاذ الهريسة أو الخبز يستدعي وجود الدقيق، والدقيق وجود الحنطة؛ فيكون وسيلة إلى هذا المقصود؛ فيكون المقصود الأصلي من عين الحنطة الزارعة، وكذا المقصود من عين السمسم الزراعة، ومن عين العنب التفكه.
فأما الخل والدقيق فمقصود من عين العصير لا من عين العنب، وجريان الربا بشبهة المجانسة لما أن عمل الطحن تفريق الأجزاء، وباب الربا مبني على الاحتياط، وإذا هلك الأول بفعله صار ضامنًا مثله، والدقيق حادث بفعله فيملكه والصنعة قائمة بذاتها من كل وجه والعين هالكة، وكانت الصنعة راجحة في الوجود، وترجيحه يرجع إلى الحال، وترجيحنا إلى الوجود، فالرجحان في الذات أحق من الرجحان بالحال؛ لأنها تابعة للذات.
(١) في القاموس (١٣٣٩): والنَّشا، وقد يُمَدُّ: النَّشاسْتَجِ، مُعَرَّبٌ حُذِفَ شَطْرُهُ. (٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.