وَذكر محمد في الرجوع عن الشهادات: إذا شهدوا بدار لإنسان، ثم رجعوا بعد القضاء ضمنوا قيمتها للمشهود عليه.
فقيل: ذلك قول محمد، لا تسليطهم الغير على الدار بالشهادة كتسليط الغاصب الغير على الدار بالبيع والتسليم إليه.
وقيل: بل قولهم جميعًا، والفرق بين الفصلين لما أن الضمان الواجب بالشهادة ضمان إتلاف الملك على المشهود عليه، وذلك حصل بشهادتهم، حتى لو أقام بينة على الملك لنفسه لا تقبل بينته، وهاهنا إتلاف الملك لم يحصل بالبيع والتسليم، بل بعجز المالك عن إثبات ملكه بالبينة.
ألا ترى أنه لو أقام بينة على أنها ملكه قضى له بها؟ فلهذا لا يكون الغاصب ضامنًا، ويدخل عليه جحود الوديعة، فإن العقار يضمن بالجحود، وليس فيه إتلاف الملك حتى لو أقام المالك بينة قضي له بها.
والأصح أن نفوذ جحود الوديعة بمنزلة الغصب، فلا يوجب الضمان في العقار عندهما.
وأما الجواب عما تمسكوا أنه ﵊ قال «طَوَّقَهُ اللَّهُ» الحديث (١)، ولم يذكر الضمان، علم أن جزاء ذلك الفعل الوعيد لا الضمان، إذ المذكور جميع جزائه، فلو كان الواجب عليه الضمان لَبَيَّنَهُ، إذ الحاجة إليه أمس، فمن زاد عليه كان نسخا، وذا لا يجوز بالقياس، وإطلاق لفظة الغصب عليه لا يدل على تحقق الغصب الموجب للضمان، كما أنه ﷺ أطلق لفظ البيع على الحر بقوله:«مَنْ باعَ حُرَّا»(٢).
ولا [يدل](٣) ذلك على البيع الموجب لحكم، مع أنه في الصحيحين جاء بلفظ أخذ فقال: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا فإنهُ يُطَوِّقُهُ اللهُ يومَ القيامةِ مِنْ
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٠٧ رقم ٣١٩٨)، ومسلم (٣/ ١٢٣٠ رقم ١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁. (٢) أخرجه البخاري (٣/ ٨٢ رقم ٢٢٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁. (٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.