للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

إِنَّمَا يَأْثَمُ إِذَا عَلِمَ بِالإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، لِأَنَّ فِي انْكِشَافِ الحُرْمَةِ خَفَاءً فَيُعْذَرُ بِالجَهْلِ فِيهِ كَالجَهْلِ بِالخِطَابِ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الحَرْبِ ..

قَالَ: (وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى - وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ -، أَوْ سَبِّ رَسُولِ اللَّهِ بِقَيْدٍ، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ ضَرْبٍ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِكْرَاهَا حَتَّى يُكْرَهَ بِأَمْرٍ يَخَافُ مِنهُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عُضْوِ مِنْ أَعْضَائِهِ) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِإِكْرَاهِ فِي شُرْبِ الخَمْرِ لِمَا مَرَّ، فَفِي الكُفْرِ - وَحُرْمَتُهُ أَشَدُّ - أَوْلَى وَأَحْرَى. قَالَ:

وجه ظاهر الرواية: حرمة هذه الأشياء مقيدة بحالة الاختيار، فلا تثبت حالة الضرورة، وذلك لأنه تعالى قال ﴿فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إليه﴾ [الأنعام: ١١٩] فقد استثنى حالة الضرورة عن التحريم، والاستثناء من التحريم إباحة، ويجعل الكلام عبارة عما وراء المستثنى، وقد كان مباحًا قبل التحريم، فبقي على ما كان في حالة الضرورة، فتثبت الإباحة حالة الضرورة.

فالامتناع من تناوله كامتناعه من تناول الطعام الحلال حتى مات فيأثم؛ لأنه ألقى نفسه في التهلكة.

وأما صفة الميتة والخمرية توجب الحرمة؛ لمعنى الرفق بالمتناول، وهو أن يمنعه من استعمال عقله بشرب الخمر ويصده عن ذلك.

وكذا في الميتة والخنزير؛ لما عرف أن للغذاء أثرًا في الحلق، وتعدي صفة الذميمة والرفق هاهنا في الإباحة؛ لأن إتلاف البعض أهون من إتلاف الكل، وفي الامتناع عن التناول إتلاف الكل، فتثبت الإباحة لهذا المعنى.

وكذا لو أوعده بقطع عضوه؛ لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس تبعًا لها، كذا في المبسوط.

قوله: (أحرى وأولى) أي: أولى أن لا يكون إكراها، وأما ما روى ابن مسعود أنه قال: " ما من كلام أتكلم به يدرأ عني ضربتين بسوط عند ذي سلطان إلا كنت متكلما "به" فإنما هو منه على طريق بيان الرخصة فيما فيه الألم الشديد، وإن كان سوطين، فإما أن يقال: إن السوطين اللذين لا يخاف منهما الثلاث موجب الرخصة في إجراء كلمة الكفر، فلا يظن ذلك بعبد الله، وإنما يحمل منه على سبيل المثل؛ لبيان الرخصة عند خوف التلف.

<<  <  ج: ص:  >  >>