للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

القُدْرَةُ فِي زَمَنِهِ إِلَّا لِلسُّلْطَانِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ وَأَهْلُهُ، ثُمَّ كَمَا تُشْتَرَطُ قُدْرَةُ المُكْرِهِ لِتَحَقَّقِ الإِكْرَاهِ يُشْتَرَطُ خَوْفُ المُكْرَهِ وُقُوعَ مَا يُهَدَّدُ بِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَصِيرَ بِهِ مَحْمُولًا عَلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ مِنْ الفِعْلِ.

قَالَ: (وَإِذَا أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ، أَوْ عَلَى شِرَاءِ سِلْعَةٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ لِرَجُلٍ بِأَلْفِ، أَوْ يُؤَاجِرَ دَاره: فَأُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِالقَتْلِ، أَوْ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، أَوْ بِالحَبْسِ فَبَاعَ، أَوْ اشْتَرَى، فَهُوَ بِالخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَمْضَى البَيْعَ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، وَرَجَعَ بِالمَبِيعِ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ العُقُودِ التَّرَاضِي، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَالإِكْرَاهُ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ يُعْدِمُ الرِّضَا فَيَفْسُدُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أُكْرِهَ بِضَرْبِ سَوْطٍ، أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ، أَوْ قَيْدِ يَوْمِ، لِأَنَّهُ لَا يُبَالِي بِهِ بِالنَّظَرِ إِلَى العَادَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الإِكْرَاهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَاحِبَ مَنْصِبٍ يَعْلَمُ

قوله: (بالحبس) أي: بالحبس المديد، فإن حكم الحبس بيوم سيجيء، فباع واشترى فهو بالخيار.

اعلم أن تصرفات المكره كلها قولًا منعقدة عندنا، خلافًا لزفر والأئمة الثلاثة، إلا أن ما يحتمل الفسخ منه كالبيع والإجارة تفسخ، وما لا يحتمل الفسخ كالطلاق والعتاق والنكاح والتدبير والاستيلاد والنذر فهو لازم عندنا خلافا للأئمة الثلاثة.

قوله: (صاحب منصب) أي: ذا جاه يعلم أنه يستضر به كالقاضي وعظيم البلد، فإن مطلق القيد والحبس إكراه في حقه، حتى لو توعد به الاستخفاف، وهو رجل وجيه كان ذلك إكراها، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ومالك وأحمد في رواية، وقال في رواية: الوعيد ليس بإكراه.

وعن شريح: القيد والوعيد إكراه، والضرب والشتم يختلف باختلاف أحوال الناس.

وفي المبسوط: والحد في الحبس الذي هو إكراه ما يجيء الاغتمام البين به، وفي الضرب ما يجد به الألم الشديد، ولكن ذلك على قدر ما يرى الحاكم

<<  <  ج: ص:  >  >>