للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ: (الإِكْرَاهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ إِذَا حَصَلَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى إِيقَاعِ مَا تَوَعَّدَ بِهِ سُلْطَانًا كَانَ أَوْ لِصًا) لِأَنَّ الإِكْرَاهَ: اسْمٌ لِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ المَرْءُ بِغَيْرِهِ، فَيَنْتَفِي بِهِ رِضَاهُ، أَوْ يَفْسُدُ بِهِ اخْتِيَارُهُ مَعَ بَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا خَافَ المُكْرَهُ تَحْقِيقَ مَا تَوَعَدَ بِهِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ القَادِرِ وَالسُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ سِيَّانِ عِنْدَ تَحَقُّقِ القُدْرَةِ، وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّ الإِكْرَاهَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا مِنْ السُّلْطَانِ، لِمَا أَنَّ المَنَعَةَ لَهُ، وَالقُدْرَةُ لَا تَتَحَقَّقُ بِدُونِ المَنَعَةِ.

فَقَدْ قَالُوا: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ، وَلَمْ تَكُنْ

وشرطه: قدرة المكره على تحقيق ما هدد به سلطانا كان أو لصا، والذي قال أبو حنيفة: إنه لا يتحقق إلا من السلطان؛ لأن القدرة له لمنعته فقد قالوا إلى آخر ما ذكر في الكتاب.

وشرطه: خوف المكره أيضًا كما ذكر في المتن.

قيل: قد ابتلي محمد بتصنيف هذا الكتاب، فإن ابن سماعة حكى أنه لما صنف هذا الكتاب سعى بعض حساده عند الخليفة، وقال: إنه صنف كتابا وسماك لصًا، فاغتاظ الخليفة وأمر بإحضاره، فأتاه الشخص وأنا معه، فأدخله على الوزير أولا في حجرته فعاتبه الوزير في ذلك وأنكر محمد أصلا.

فلما علمت السبب أسرعت الرجوع إلى بيت محمد وتسورت على حائط بعض الجيران؛ لأنهم كانوا سمروا على بابه، فدخلت داره ففتشت حتى وجدت كتاب الإكراه، فألقيته في جب الدار؛ لأن الشُّرَطَ أحاطوا بالدار قبل خروجي منها فلم يُمْكِنِّي أن أخرج، فاختفيت في موضع حتى دخلوا وحملوا كتبه إلى دار الخليفة بأمر الوزير، ففتشوه ولم يجدوا شيئًا مما ذكره الساعي، فندم الخليفة واعتذر إليه ورده بجميل، فلما كان بعد أيام أراد محمد أن يعيد تصنيف الكتاب فلم يجبه خاطره إلى مراده، فجعل يتأسف على ما فاته من هذا الكتاب، ثم أمر بعض وكلائه أن يأتي بعامل ينقي البئر؛ لأن ماءها قد تغير، فلما نزل العامل في البئر وجد الكتاب على آجُرَّةٍ أو حَجَرٍ نَتَأَ من طَيِّ البئر فسر محمد بذلك، وكان يخفي الكتاب زمانًا ثم أظهره بعد، فَعُدَّ هذا من مناقب محمد.

قوله: (توعد به) أي: خوفه، كذا في الديوان.

<<  <  ج: ص:  >  >>