للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَالإِذْنُ ثَبَتَ ضَرُورَةَ الِانْتِفَاعِ فَلَا يَظْهَرُ فِيمَا وَرَاءَهُ، وَلِهَذَا كَانَ وَاجِبَ الرَّدِّ وَصَارَ

بكونها مؤداة، وقد روي هذا الحديث بطريق آخر فلم يذكر «مضمونة» فيه، وفي بعض طرقها: «ومضمونة» بالواو، وهذه الرواية تدل على أن الضمان وصف زائد على العارية.

والوجه في ذلك أنه تلفظ بها تسكينا له، وتألفًا له؛ فإنه كان يومئذ مشركا (١)، وقد أخذ بمجامع قلبه حَمِيَّةَ الجاهلية، ولأن اللفظ لا ينبئ عن التزام الضمان كما ذكر في المتن، وقبض العين للانتفاع بإذن صحيح من مالكها لا يوجب ضمانًا كما في المستأجر، ووجوب الضمان للجبران وذلك لا يتحقق إلا بتفويت شيء على المالك جبرًا، وبالإذن الصحيح ينعدم التفويت.

والعقد عقد تبرع فلا يكون عقد ضمان كالهبة فلا يتحقق موجب الضمان، ألا ترى أن القبض لا يكون أقوى من حقيقة الإتلاف، ولو أتلفها بإذن مالكه لا يجب عليه الضمان، فكذا إذا قبضها.

وقوله: (الإذن للانتفاع ضرورة)، قلنا: هو ما قبضه إلا للانتفاع فيزول عنه صفة التعدي، فإذا قبضه للانتفاع بقي في يده بإذن مالكها فلم يكن تعديًا، ولأن الإذن بالقبض وجد مطلقًا فلا يقيده بحال الانتفاع؛ لأن الضرورة كما دعت إلى إظهار الإذن في غير حال الانتفاع أيضًا؛ لأنه إنما ينتفع بمال الغير حسب انتفاعه بمال نفسه ساعة دون ساعة؛ إذ لو انتفع بها دائما لهلك، فكان إمساك العين في ثاني الحال للانتفاع مأذونا ضرورة فلا يضمن.

أما الجواب عن قوله : «العارية مضمونة»، أي: ضمان الرد؛ لأنه جعل الضمان صفة العين على وجه الخبر، وحقيقة ذلك في ضمان الرد؛ لأنه يبقى ببقاء العين، وحديث صفوان فقد قيل إنه أخذ دروعه بغير رضاه بدليل قول صفوان: "أغصبًا يا رسول الله؟ " إلّا أنه كان محتاجًا إلى السلاح فكان الأخذ له حلالا ولكن بشرط الضمان؛ كتناول مال الغير في حال المخمصة بشرط الضمان.


(١) أي: صفوان بن أمية .

<<  <  ج: ص:  >  >>