والمستقرض بخلاف المودع؛ لأنه ما قبضه لنفسه بل لمنفعة المالك وهو الحفظ، ولهذا لا يلزمه مؤنة الرد، وفي المستعير يلزمه، وبخلاف المستأجر؛ لأنه قبضه باستحقاق تقدم على القبض، ولهذا يجبر على تسليم الدار، ولو سلمه لا يملك الاسترداد حتى تمضي المدة.
والموصى له بخدمة العبد فإن العبد لا يصير مضمونًا عليه وإن قبضه لنفسه؛ لأن قبضه مستحق، ولهذا يجبر الورثة على تسليم العبد إليه، ولا يلزم أنه مأذون بالقبض؛ لأنه إنما ثبت الإذن ضرورة الانتفاع، فبقي القبض في غير حالة الانتفاع غير مأذون فيه؛ لأن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، ولهذا لا يضمن إذا هلك حالة الانتفاع بلا خلاف، ولأن قبض العارية يوجب ضمان الرد بالإجماع حال قيام العين، فيوجب ضمان القيمة حال هلاك العين؛ كقبض الغصب.
ولنا: ما روى القاضي الإمام أبو جعفر محمد بن عمرو، عن القاضي الخليل ابن أحمد بإسناده عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال:«ليس على المستعير غيرِ المُغِلِّ ضمان»، والمُغِلُّ: هو الخائن.
فإن قيل: هذا حديث ضعيف؛ لأنه يرويه عمرو بن عبد الجبار، عن عبيدة بن حسان (١)، عن عمرو بن شعيب، وعمرو وعبيدة ضعيفان، قاله الدارقطني (٢).
ولئن ثبت يحمل على الهلاك حال الانتفاع ليكون توفيقا بين الحديثين، ودفعًا للتعارض.
قلنا: قد روي برواية أخرى غير ضعيفة، مع أنه عمل به أكثر العلماء، مع أن الجرح لا يقبل ما لم يبين سببه، ولأن ما رويتم محمول على ضمان الرد بدليل ما روي من حديث صحيح أنه ﵊ قال:«العاريةُ مُؤدَّاةٌ، والمنحة مردودة» الحديث، فوصف النبي ﵊ جميع العواري
(١) في الأصول الخطية: (عبيد حساب)، وهو خطأ، والمثبت من كتب الحديث. (٢) أخرجه الدارقطني (٣/ ٤٥٦ رقم ٢٩٦١) من طريق عبيدة بن حسان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ. وقال: عمرو وعبيدة ضعيفان، وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع.