قوله:(لأبي حنيفة)، إلى آخره إطلاق الأمر يعني أمره بالحفظ مطلقا من غير تقييد بمكان دون مكان فلا يتقيد بمكان، كما لا يتقيد بزمان دون زمان، والمفازة محل للحفظ إذا كان الطريق آمنا، والكلام فيه حتى لو لم يكن آمنا، أو بحرًا يَضْمَنُ، ولو كان الطريق مخوفًا ولا بد له من السفر لا يضمن أيضًا، ولهذا يملك الأب والوصي في مال الصبي مع أن ولايتهما نظرية، ولا يقال الأب والوصي يملكان التجارة في مال الصبي، والتجارة تدل على جواز المسافرة لا الحفظ.
أما المودع يملك الحفظ لا التجارة فكيف يصح الاستدلال بهما والحفظ في الأسفار لا يتحقق عرفا وكذا شرعًا؟ قال ﵊:«المُسافِرُ وما في يَدِهِ عَلَى قَلَةٍ إِلَّا ما وَقَى الله»(١)، أي هلاك، فلا يلزم من الإذن بالحفظ جواز المسافرة؛ لأنا نقول لا يجوز لهما قربان مال اليتيم إلا بالوجه الأحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وأولى وجوه الحسن رعايته عن مواضع التلف، فكان ولايتهما مقيدة بشرط النظر.
فلو كان في السفر وهم التلف لما جاز لهما السفر بماله، ونحن لا نمنع زيادة ثبوت الولاية لهما ولكن مع ذلك تصرفهما مقيد بشرط النظر، فلما جاز لهما المسافرة مع تنصيص الشرع على القربان بالوجه الأحسن ينبغي أن يجوز بمال الوديعة بالطريق الأولى؛ لأنه مأمور بالحفظ مطلقا.
وما قال من العرف مشترك فقد يكون قصد المودع أن يحمل إليه خصوصا إذا سافر إلى بلد صاحب الوديعة، والعرف المشترك لا يصلح حجة.
وأما الحديث كان ذلك في بدء الإسلام لقلة المسلمين في الأسفار، ولهذا أخبر ﵇ من الأمر بعده: «يوشِكُ أن تَخرُجَ الظَّعِينَةُ مِنَ القَادِسِيَّةِ إِلَى مَكَّةَ
(١) قال ابن حجر: أنكره النووي في شرح المهذب فقال: ليس هذا خبرًا عن النبي ﷺ، وإنما هو من كلام بعض السلف. التلخيص الحبير (٣/ ٢١٢).