للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الكِيسَانِ فَاخْتَلَطَا، لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا لِعَدَمِ الصُّنْعِ مِنْهُ فَيَشْتَرِكَانِ، وَهَذَا بِالاتِّفَاقِ. قَالَ: (فَإِنْ أَنْفَقَ المُودَعُ بَعْضَهَا، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهُ فَخَلَطَهَا بِالبَاقِي ضَمِنَ الجَمِيعَ) لِأَنَّهُ خَلَطَ مَالَ غَيْرِهِ بِمَالِهِ، فَيَكُونُ اسْتِهْلاكًا عَلَى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ.

قوله: (لعدم الصنع منه) أي: من المودع أي عدم الصنع الموجب للضمان، ولو يمكن تقصيره (١) فذلك من المودع بأن جعل الوديعة في كيس بال، ولكن المختلط مشترك بينهما بقدر ملكيهما.

قوله: (فإن أنفق المودع بعضها)، قيد بالإنفاق لأنه لو أخذها لأجل الإنفاق ثم ردها قبل الإنفاق لم يضمن؛ لأنه خالف عاد إلى الوفاق، ذكره في المبسوط (٢).

وقال الشافعي في قول، ومالك: يضمن الكل، وكذا لو أنفق البعض ولم يرد شيئًا يضمن الكل عندهما، وعندنا يضمن ما أنفق؛ لأن بالخيانة ترفع الأمانة فتجب الغرامة.

وقلنا: الغرامة تجب بقدر الخيانة، وقد خان في البعض دون الكل، وفيما إذا رفع ولم ينفق لم تتحقق الخيانة؛ لأن بمجرد النية لا يصير ضامنا؛ كما لو نوى أن يغصب مال إنسان، يؤيده قوله : ﴿إنّ الله تعالى تجاوز عن أمتي ما وَسْوَسَتْ بِهِ … ﴾، الحديث (٣).

وإن صار ضامنا بالرفع فقد عاد إلى الوفاق برد العين إلى موضعه، وهذا أحوط الوجهين عندي؛ فإنه لو باعها بعد الرفع ضمن قيمتها بعد البيع ينفذ بيعه، فعلم أن الرفع للبيع موجب للضمان، ولو لم يضمن بالرفع ينبغي أن لا ينفذ بيعه، والرواية محفوظة أن البيع نافذ، وفيما إذا أنفق بعضها لم يضمن الباقي؛ لأنه حافظ في الباقي للمالك، وبما أنفق لم يتعيب الباقي حتى لو تعيب بأن يضره التبعيض يضمن الكل، كذا في المبسوط.

قوله: (يضمن الجميع)، قالوا: هذا إذا لم يجعل علامة على ماله حين


(١) في الأصل: ولا يمكن تقصير، والمثبت من النسخة الثانية.
(٢) المبسوط للسرخسي (١١/ ١١٢).
(٣) أخرجه البخاري (٧/٤٦ رقم ٥٢٦٩)، ومسلم (١/ ١١٦ رقم ١٢٧) من حديث أبي هريرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>