للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ومِن هَذَا القَبِيلِ خَلْطُ الحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ فِي الصَّحِيحِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَخْلُو عَنْ حَبَّاتِ الْآخَرِ، فَتَعَذَّرَ التَّمْيِيرُ وَالقِسْمَةُ. وَلَوْ خَلَطَ المَائِعَ بِجِنْسِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يَنْقَطِعُ حَقُّ المَالِكِ إِلَى ضَمَانٍ لِمَا ذَكَرْنَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يُجْعَلُ الْأَقَلُّ تَابِعًا … لِلْأَكْثَرِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ أَجْزَاءً، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: شَرِكَهُ بِكُلِّ حَالِ، لِأَنَّ الجِنْسَ لَا يَغْلِبُ الجِنْسَ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الرَّضَاعِ، وَنَظِيرُهُ خَلْطُ الدَّرَاهِمِ بِمِثْلِهَا إِذَابَةٌ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَائِعًا بِالإِذَابَةِ.

قَالَ: (وَإِنْ اخْتَلَطَتْ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ، فَهُوَ شَرِيكٌ لِصَاحِبِهَا) كَمَا إِذَا انْشَقَّ

راجحة، وليس فيها معنى الإبراء.

(ومن هذا القبيل) أي: من قبيل انقطاع حق المالك بالإجماع.

وقوله: (في الصحيح)، احتراز عما قال البعض أنه على الاختلاف كما خلط الجنس مع الجنس؛ لأن تمييز الحنطة ممكن بأن يصب في ماء فترسب الحنطة ويطفو الشعير، والصحيح أن حق المالك ينقطع بالإجماع لما ذكرنا أن التمييز متعسر، أو متعذر لما في الحنطة حبات الشعير، وكذا في الشعير حبات الحنطة فلا يصل المالك إلى عين حقه بالقسمة.

وفيما قالوا بأن يصب في الماء إفساد المخلوط في الحال، مع أن الراسب يمكن أن يكون حبات حنطة صاحب الشعير، والطافي حبات شعير صاحب الحنطة، فعرف أن التمييز متعذر، كذا في المبسوط، وجامع المحبوبي (١).

قوله: (يجعل الأقل تابعًا للأكثر) فيضمن صاحب الكثير القليل، والفرق لأبي يوسف بين خلط المائع بالمائع من خلاف جنسه فإن في خلاف جنسه ينقطع حق المالك بالإجماع أن التداخل والشيوع في المائعات أكثر، فالخاصية تبطل بالخلط عند اختلاف الجنس فيتحقق معنى الاستهلاك، أما في الجنس يعتبر الأكثر إذ أقلهما تابع لما أن الخاصية باقية، كذا في الفوائد الظهيرية.


(*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(١) المبسوط للسرخسي (١١/ ١١٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>