ليصير عوضًا عن الحط فيبطل الحط بفواته؛ إذ الثابت يعتبر ثابتًا مرةً أخرى إذا أفاد اعتباره؛ كما لو ظاهر مرارًا صح؛ لما أن إثباته مرارًا يفيد شيئًا وهو وجوب الكفارة، فكذا هاهنا النقد وإن كان واجبًا قبل الصلح بالمداينة، ويعتبر واجبًا مرةً أخرى عوضًا ليبطل الحط بفواته.
فإن قيل: اعتبار وجوده مرةً أخرى ليصير عوضًا عن الحط موجود فيما لو قال: أبرأتك عن خمسمائة على أن تعطيني خمسمائة غدًا.
قلنا: قال صدر الإسلام في جامعه: ينبغي أن يكون الجواب فيه عندهما هكذا أيضا.
وفيه إشارة إلى أن للمنع مجالًا فيما إذا بدأ بالإبراء، ولئن سلم فالفرق أنه متى بدأ بالإبراء عن خمسمائة لا يصلح أن يكون نقد خمسمائة عوضًا مطلقا؛ لكونه يصلح شرطًا، فوقع الشك في تقييده، بخلاف ما إذا بدأ بالأداء؛ لأن الإبراء حصل مقرونا به، فمن حيث إنه يصلح عوضًا يقع مطلقا، ومن حيث إنه يصلح شرطا لا يقع مطلقا، فلا يثبت الإطلاق بالشك.
قوله:(لوجود معنى المقابلة فيه)، أي: في الشرط؛ إذ الشرط يقابل الجزء، فجاز أن يكون يستعار كلمة المعاوضة للشرط لوجود معنى المقابلة فيه.
قوله:(أو لأنه)، أي: لأن مثل هذا الشرط، وهو أن يكون تعجيل البعض مقيدا بإبراء الباقي متعارف، والإبراء مما يتقيد إلى آخره والفرق بين التقييد والتعليق أن في التقييد لا يستعمل لفظ الشرط صريحًا، ولهذا لو قال: إن أديت، أو متى، أو إذا أديت لم يصح التقييد، وفي التعليق يستعمل لفظ الشرط صريحًا، هذا من حيث اللفظ.
والفرق من حيث المعنى: أن في تقييد الإبراء بالشرط يحصل الإبراء في الحال بشرط وجود ما قيد به، وفي التعليق لا يحصل في الحال؛ لأن المعلق بالشرط معدوم قبله، فكان التقييد بمنزلة الإضافة إلى وقت، وبيانه مستقصى في أصول شمس الأئمة.