للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي وَالتَّكْلِيفُ مُقَيَّدٌ بِالوُسْعِ (وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَدَارَ إِلَى

الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] إلى ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].

ومن نظير النوعين جهل الذمي بالشرائع بعد الإسلام حيث يجب عليه قضاء ما مضى، وجهل الحربي بها بعده حيث لا يجب عليه قضاء ما مضى، هذا حاصل ما ذكره في الأسرار.

فلما كان كذلك كان قول المصنف: (والتكليف مقيد بحسب الوسع) راجع إلى الوسع الذي لو بالغ في الجهد لأصابه؛ لأنه محلى باللام فكان مستغرقًا لجميع ما ينطلق عليه اسم الوسع.

أو نقول في الفرق بينهما: أن النجاسة لا تحتمل الانتقال فلم يجز له العمل إلا بظاهر ما أدى إليه اجتهاده، فإذا ظهر ما هو أقوى منه أبطله؛ لأنه غير قابل للانتقال حتى يقال: إنه كان طاهرًا في ذلك الوقت، ثم تنجس بعده باليقين، وكذا في مسألة القضاء.

أما القبلة فتحتمل الانتقال، ألا ترى أنها انتقلت من بيت المقدس إلى الكعبة، ومن عين الكعبة إلى جهتها إذا بَعُد من مكة، ومن جهتها إلى سائر الجهات إذا كان راكبًا متنفلا، فبعد ما صلى إلى جهة بالتحري إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة فكان تبدل الرأي فيه بمنزلة النسخ فيعمل به في المستقبل، ولا يظهر به بطلان ما مضى كما في النسخ الحقيقي؛ لأن الشرط أن يكون مبتلى بالتوجه إذ هو المقصود في الأمر بالتوجه كما بينا.

وهذا المقصود يحصل في أي توجه كان، ولهذا لو أدى اجتهاده إلى جهة فصلى إلى غيرها لم تجز صلاته وإن كان مصيبًا عند أبي حنيفة، ومحمد، والشافعي؛ لأن الجهة التي أدى إليها اجتهاده لما كانت قبلة في حقه حال الاشتباه، فإذا تركها فقد ترك المفروض عليه.

وعنه لو صلى بغير تحر يخشى عليه الكفر وإن أصاب لاستخفافه بحكم من أحكام الشرع، وقال أبو يوسف: يجوز إذا أصاب لحصول المقصود من التحري وهو التوجه، كما في الأواني إذا تحرى وتوضأ بغير ما أدى إليه اجتهاده، ثم تبين صوابه.

<<  <  ج: ص:  >  >>