فإن قيل: هذا التعليل لا يكون جوابًا لما ذكره الشافعي فإن له أن نقول: سلمنا أنه مقيد بالوسع لكن هذا حال العمل؛ فإن له أن يعمل حال توجه الخطاب لما في وسعه ولا يأثم بما فعل عند عدم الظهور بالخطأ، فأما لو ظهر الخطأ يقينا فكان فعله كلا فعله في حق وجوب الإعادة، كما لو تحرى في ثوبين أحدهما نجس وصلى فيه بالتحري أو توضأ بماء نجس بالتحري أنه طاهر، ثم ظهر كون الثوب أو الماء نجسا فإنه تلزمه الإعادة، وكما لو حكم حاكم باجتهاده ثم وجد نصا بخلافه تجب الإعادة، وما نحن بصدده من هذا القبيل.
قلنا: في هذا التعليل جواب له؛ لأن التكليف بالذي غاب عنه علمه على نوعين، أحدهما: ما غاب عنه علمه حقيقةً، ولكن لو استقصى في طلبه ممكن دركه، ويمكن العمل على وجه لا تبقى فيه شبهة.
والثاني: ما غاب عنه علمه حقيقةً، ولا يدرك حقيقته أحد وإن استقصاه، فمن الأول ما ذكرته من المسائل، وذلك لأن القاضي لما قضى باجتهاده ثم روي له نص بخلافه كان الجهل به جاء من تقصيره في الطلب، وكذا المصلي بالتحري في ثوب؛ لأن في وسعه إصابة الطاهر حقيقة لأنه يقدر على غسل ذلك بالماء، وإنما خفي نسيانه الطاهر منهما، وكذا في ماء الوضوء إذ في وسعه الاستخبار ممن له العلم بنجاسته، وإن لم يكن في وسعه كان في وسعه إراقته والتيمم الذي يخلفه بلا شبهة.
وأما علمه جهة الكعبة فمن النوع الثاني؛ لأن مبنى علمه جهة الكعبة للغائب عنها على النجم لا على خبر الناس؛ فإن المخبر إنما يخبره عن النجم أيضاً، ثم كل منهما عجز عن الاستدلال بالنجم لعارض الغيم، وذلك من الله تعالى، فيسقط به خطابه تعالى لما [لم](١) يعطه قدرة إزالته إياه فلم يعمل فيما مضى، وإن ظهر خطؤه بيقين كنص نزل بعد العمل بخلافه، أو نزل ولم يبلغه لا بتقصير منه كما في ابتداء حرمة الخمر وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى
(١) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والمثبت من النسخة الثانية، والثالثة.