للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وَلَوْ قَالَ المُقِرُّ: هُوَ وَدِيعَةٌ، وَوَصَلَ صُدِّقَ) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ مَجَازًا حَيْثُ يَكُونُ المَضْمُونُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ، وَالمَالُ مَحَلَّهُ، فَيُصَدَّقُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا. قَالَ : وَفِي نُسَخِ المُخْتَصَرِ فِي قَوْلِهِ: «قِبَلِي» إِنَّهُ إِقْرَارُ بِالأَمَانَةِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْتَظِمُهُمَا حَتَّى صَارَ قَوْلُهُ: لَا حَقَّ لِي قِبَلَ فُلَانٍ، إِبْرَاءٌ عَنْ الدَّيْنِ وَالأَمَانَةِ جَمِيعًا، وَالأَمَانَةُ أَقَلُّهُمَا وَالأَوَّلُ أَصَحٌ.

(وَلَوْ قَالَ: عِنْدِي أَوْ مَعِي أَوْ فِي بَيْتِي أَوْ فِي كِيسِي أَوْ فِي صُنْدُوقِي، فَهُوَ إِقْرَارُ بِأَمَانَةٍ فِي يَدِهِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إِقْرَارٌ بِكَوْنِ الشَّيْءِ فِي يَدِهِ، وَذَلِكَ يَتَنَوَّعُ إِلَى مَضْمُونٍ وَأَمَانَةٍ فَيَثْبُتُ، وَأَقَلُّهَا وَهُوَ الْأَمَانَةُ.

(ولو قال: هو وديعة) أي: في قول (علي) أو (قبلي).

قوله: (والأول) وهو أنه إقرار بالدين (أصح) ذكره في المبسوط، وعلل بأن استعماله في الديون أغلب وأكثر، فكان الحمل عليه أولى. قوله: (أو صندوقي) وكذا لو قال: في كيسي فهو أمانة؛ لما ذكره في المتن، أو لأن هذه المواضع إنما تكون محلا للعين لا للدين، فإن الدين محله الذمة؛ ولهذا قلنا: (عليَّ) كلمة إيجاب فيكون في الذمة، وكذا (قبلي) كلمة ضمان، والضمان في الذمة.

قوله: (فيثبت أقلها وهو الأمانة)، وهو ظاهر مذهب الأئمة الثلاثة، بخلاف ما لو قال: عليَّ مائة درهم دين ووديعة، أو وديعة ودين؛ فإنه لا يثبت الأمانة، ويكون دينًا مع التصريح بلفظ الأمانة؛ لأن تنوع اللفظ إلى الأمانة والدين إنما نشأ من لفظ واحد، وفي تلك المسألة بالصريح من لفظين، والأصل أن أحد اللفظين إذا كان للأمانة والآخر للدين، فإذا جمع بينهما في الإقرار يترجح الدين. كذا في المبسوط (١).

وهذا لاستعارة لفظ الدين لما يوجب الأمانة ممكن لا على العكس؛ لأنه يمكن أن يستعار لفظ الوجوب لوجوب الحفظ في الأمانة، أما لفظ الأمانة ينبئ عن عدم الوجوب في الذمة، فلا تصلح استعارته للوجوب.


(١) المبسوط للسرخسي (١٨/١٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>