للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الأَمْرِ، وَقَدْ بَطَلَ بِهَذِهِ العَوَارِضِ، وَشَرْطَ أَنْ يَكُونَ الجُنُونُ مُطْبقًا، لِأَنَّ قَلِيلَهُ بِمَنْزِلَةِ الإِغْمَاءِ، وَحَدُّ المُطْبِقِ: شَهْرٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، اعْتِبَارًا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ الصَّوْمُ. وَعَنْهُ: أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِأَنَّهُ تَسْقُطُ بِهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ فَصَارَ كَالمَيِّتِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَوْلٌ كَامِلٌ (*)، لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ العِبَادَاتِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا … ... .

السنة؛ لما فيه من استعمال أحد الضدين، والانتهاء عن المنهي عنه يتحقق بالترك، وذلك لأن حقيقة الانتهاء الامتناع عن إيجاد المنهي عنه، ولهذا يثاب بالانتهاء، فلا بد أن يكون الانتهاء أمرًا وجوديًا حتى يكون مثابًا به، وليس تقدير الفعل في الانتهاء إلا بأن يجعل المتمكن كالمنشئ للفعل؛ لأنه في الحقيقة إبقاء العدم على العدم الأصلي، أما إذا كان التصرف لازمًا لا يأتي هذا المعنى؛ لأن المتصرف لا يتمكن من فسخه في كل لحظة، فلا يجعل امتناعه عن العزل بمنزلة الابتداء، أو الابتداء لذلك؛ لأن الشيء إنما يتصور تقديرًا أن لو تصور حقيقة، وإذا ثبت أن للتوكيل حكم الابتداء في كل لحظة، وابتداء التوكيل لا يتصور من هؤلاء، فكذا البقاء. كذا قرره في النهاية.

وهذا معنى قوله: (فلا بد من قيام الأمر) أي: أمر الموكل بالتوكيل في كل ساعة (وقد بطل) أي: أمر التوكيل (بهذه العوارض) أي: الموت والجنون والارتداد، ولا يشكل بالبيع بالخيار فإنه غير لازم، ومع ذلك لا يبطل بالموت بل يتقرر؛ لأن الأصل في البيع اللزوم، وعدم اللزوم بسبب العوارض، وهو الخيار، فإذا مات تقرر الأصل وبطل العارض؛ لعدم بقاء الخيار بموته.

وفي الذخيرة: إنما تبطل الوكالة بالجنون إذا كان في موضع يملك الموكل عزله، أما إذا كانت لازمة بحيث لا يقدر الموكل عزله، كما في الوكالة المشروطة في عقد الرهن - لا يبطل بجنونه وإن كان الجنون مطبقًا.

يقال: جنون مطبق بالباء المكسورة، أي: دائم، والحُمَّى المُطبقة: هي الدائمة، كذا بخط الزرنوجي، وقيل: مُطبقًا: مستوعبا، من أطبق الغيم السماء، أي: استوعبها.


(*) الراجح: قول أبي يوسف.

<<  <  ج: ص:  >  >>