قلنا: الداعي بسقوط صفته هناك الضرورة، ولا ضرورة هاهنا إذ يمكنه أداء الفرض بوضع ثلاثة أصابع ولهذا لو تيمم بأصبع ومده إلى أن استوعب المحل لا يجوز لعدم الضرورة، ولو لم يكن له إلا أصبع واحد يحتمل أن يتأدى الفرض بمده للضرورة، ويحتمل أن لا يتأدى لإمكان وضعه ثلاث مرات بماء جديد، وفيه تأمل.
فإن قيل: ما ذكرتم يناقض ما قال أبو يوسف أن الماء لا يصير مستعملاً بإدخال الرأس في الإناء لأن الفرض يتأدى بما يصيب الرأس من البلة، وهي غير منتقلة إلى الماء فلا يتغير الماء عن صفته، فهنا الفرض يتأدى بالبلة التي أصابت الرأس لا بما بقي في الأصبع فينبغي أن لا يصير مستعملا فيتأدى الفرض بالمد.
قلنا: البلة التي على الرأس والتي بقيت في الأصبع كشيئ واحد لأن كليهما البلة التي عليه قبل الوضع أعدت لأداء فرض المسح كالماء الذي صب على الكف لغسل الوجه فإذا استعملت في الرأس وبقي بعضها في الأصبع صار كأن الباقي في الفضل على الرأس بعد أداء الفرض فيأخذ حكم الاستعمال كالماء المنفصل عن العضو، ولهذا لا يتأدى به فرض ولا سنة بعد الرفع.
فأما الباقي في الإناء مع البلة التي بقيت في الرأس فليس كشيء واحد لان ما في الإناء لم يعد للمسح فيختص الاستعمال بالبلة التي عليه ولم يتعد إلى ما في الإناء فبقي مطهراً كما كان.
وفي شرح المجمع: والأقرب إلى التحقيق أن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد الانفصال في الغسل والمسح؛ لأن الماء الذي أصيب به العضو في مسألة إدخال الرأس الإناء لم يزايل العضو حقيقةً ولا حكما فلم يأخذ حكمه لعدم الانفصال مطلقا، ولا الباقي من الماء؛ لأنه لم يتأد به فرض المسح (١).
أما في مسألة مد الأصبع فالبلة أصيب بها ما لاقته الأصبع منتقلة عن ذلك
(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١/ ٧٠)، والاختيار لتعليل المختار لأبي الفضل الحنفي (١/١٦).