للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ خُصُومَةٌ مَجَازًا، إِمَّا لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي مُقَابَلَةِ الخُصُومَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ إِثْيَانُهُ بِالمُسْتَحَقِّ وَهُوَ الجَوَابُ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ فَيَخْتَصُّ بِهِ، لَكِنْ إِذَا أُقِيمَتْ البَيِّنَةُ عَلَى إِقْرَارِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ القَضَاءِ يَخْرُجُ مِنْ الوِكَالَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَرَ بِدَفْعِ المَالِ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُنَاقِضًا وَصَارَ كَالأَبِ أَوْ الوَصِيِّ إِذَا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ لَا يَصِحُ وَلَا يَدْفَعُ المَالَ إِلَيْهِمَا.

القضاء خصومة، كما سمي جزاء العدوان جزاء كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وجزاء السيئة سيئة في قوله: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] لخروجه في مقابله السيئة.

(أو لأنه) أي: الخصومة، على تأويل التخاصم، وفي بعض النسخ: (أو لأنها).

(سبب له) أي: للإقرار؛ إذ الخصومة سبب الجواب، والجواب سبب الإقرار؛ لأن الجواب تارةً يكون (بلا) وتارةً (بِنَعَمْ) فكانت الخصومة سببًا للإقرار بالواسطة، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجازًا، ولأن مجلس القضاء مجلس الخصومة، فما يجرى فيه يسمى خصومة مجازًا، بخلاف الإقرار في غير مجلس القضاء؛ لأنه لا يسمى خصومة لا حقيقة ولا مجازا، وتملكه الإقرار باعتبار دخوله في مطلق الجواب.

قوله: (وصار) أي: الوكيل المقر في غير مجلس القضاء (كالأب أو الوصي المقر في مجلس القضاء) حيث لا يصح إقرارهما، ولا يدفع إليهما؛ لأن ولايتهما باعتبار النظر، وهو في حفظ المال، والإقرار لا يكون حفظًا؛ بل هو إضاعة، فإذا أخذ المال من الغريم لا يدفع إليهما؛ للتناقض، كما لو ادعيا مالًا للصغير على رجل، فأنكر، فصدقه الأب أو الوصي، ثم جاء يدعي المال لا يدفع المال إليهما؛ لأنهما خرجا من الولاية والوصاية، فكذا الوكيل.

وحاصل مسألة التوكيل بالخصومة على خمسة أوجه:

أحدها: أن يوكل مطلقًا بلا تعرض لإقرار، ويصير وكيلا بالإنكار بالإجماع، وبالإقرار عندنا، خلافًا لزفر والشافعي.

<<  <  ج: ص:  >  >>