فيعلم من هذا أن ستره للصلاة لا لأجل الناس، حتى لو صلى وحده ولم يستر عورته لم تجز صلاته، وإن لم يكن عنده أحد.
فإن قيل: الآية وردت في الطواف - قاله ابن عباس -، لا في حق الصلاة، فكيف يجوز التمسك بها؟
قلنا: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهاهنا اللفظ عام؛ لأنه قال ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] فيمنع القصر على مسجد واحد وهو المسجد الحرام.
فإن قيل: لو وردت الآية في سبب يثبت الحكم فيما سواه على حسب ذلك المسبب وإن عم اللفظ هاهنا تناولت الطواف الذي وردت لأجله بطريق الوجوب لا الافتراض، حتى لو طاف عريانا يعتد به، فكان يجب أن يكون في حق الصلاة، كذلك قلنا الأمر يحمل على الافتراض، إلا إذا قام دليل على عدمه، وقد قام الدليل على عدم فرضية الستر في الطواف وهو الإجماع، ولا دليل في حق الصلاة فيبقى الأمر فرضا.
والسنة قامت محققة للفرضية؛ فإنه روي عن أم سلمة أنها سألت النبي ﵇ فقالت: هل تصلي المرأة بدرع وخمار إذا لم يكن عليها إزار؟ قال:«نعم إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها»(١)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
ثم المراد بالحائض البالغة، إطلاق لاسم السبب على المسبب، إذ الحيض أحد أسباب البلوغ، أو ذكر الملزوم وأراد به اللازم؛ فإن كل حائض بالغة، ولا ينعكس.
ثم عند مالك ستر العورة واجب للصلاة، وليس بشرط لصحتها، كذا في الحلية (٢).
(١) أخرجه أبو داود (١/ ١٧٣، رقم ٦٤٠)، والحاكم (١/ ٢٥٠، رقم ٩١٥). وصححه الحاكم، وقال ابن حجر: أخرجه أبو داود وصحح الأئمة وقفه. بلوغ المرام (٢٠٨). (٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/ ٦١).