للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأَصْلِ، أَوْ غَلِطُوا فِي شَهَادَتِهِمْ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّ مَا أُمْضِيَ مِنْ القَضَاءِ لَا يُنْتَقَضُ بِقَوْلِهِمْ، وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَا رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ، إِنَّمَا شَهِدُوا عَلَى غَيْرِهِمْ بِالرُّجُوعِ.

قَالَ: (وَإِنْ رَجَعَ المُزَكَّوْنَ عَنْ التَّزْكِيَةِ ضَمِنُوا وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا

إلى القضاء بعد الشهادة، فلما كان كذلك كان كل فريق مؤاخذا بفعله، فلا يرجع على غيره، إليه أشار في المبسوط (١).

قوله: (وإذا رجع المزكون) إلى آخره، وفي المبسوط (٢): شهدوا على الزنا، وزكاها المزكون، ثم تبين أنهم عبيد أو مجوس، فإن ثبت المزكون على التزكية، وزعموا أنهم أحرار فلا ضمان عليهم ولا على الشهود، أما على الشهود؛ لأنه لم يتبيّن كذبهم، وأما على المزكّين؛ فلأنهم اعتمدوا على ما سمعوا من إسلامهم وحريتهم، وإنما زكوهم بقول الناس، فلم يتبين كذبهم فيما أخبروا عن قول الناس.

وقال أحمد (٣): على المزكين الضمان؛ لأنهم شهدوا بالزور، وشهادتهم أفضت إلى التلف، ولا ضمان على الشهود؛ لأنهم يقولون: شهدنا بحق، ولا على القاضي؛ لأنه ملجأ في الحكم، وأما إذا رجع المزكون عن التزكية فعليهم الضمان عند أبي حنيفة، وبه قال أحمد (٤) ومالك (٥)، وعندهما الدية في بيت المال في الوجهين؛ لأن المزكّين ما أثبتوا سبب الإتلاف، وسبب الإتلاف وما تعرضوا له، وإنما أثنوا على الشهود خيرًا، فكانوا في المعنى كشهود الإحصان.

وأبو حنيفة يقول: إنهم أثبتوا سبب الإتلاف وهو الشهادة، والشهادة إنما كانت موجبة بالتزكية، فكانت التزكية كعلة العلة بخلاف شهود الإحصان، فإن


(١) المبسوط للسرخسي (١٧/٢١).
(٢) المبسوط للسرخسي (٩/ ٥٩، ٦٠).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١٢٩).
(٤) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٦)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٢/ ١٢٩، ١٣٠).
(٥) انظر: الذخيرة (١٠/ ٣٠٤)، مواهب الجليل (٦/ ٢٠٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>