للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ: (وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الفَرْعِ ضَمِنُوا) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِي مَجْلِسِ القَضَاءِ صَدَرَتْ

القصاص، وله بدل متقوّم محتمل للتمليك، فيكون السبب معتبرًا، على أن يعمل في بدله عند تعذر إعماله في الأصل كاليمين على مس السماء.

وكذا شهود الكتابة إذا رجعوا وضمنوا للمولى القيمة كان لهم أن يرجعوا على المكاتب ببدل الكتابة، ولم يملكوا رقبة المكاتب، ولكن المكاتب لما كان مملوكًا انعقد السبب في حقهم على أن يكون عاملًا في بدله، وهو بدل الكتابة، فيملكون بدل الكتابة بذلك، وإن لم يملكوا رقبة المكاتب، فهذا مثله.

وأبو حنيفة يقول: الشهود ضمنوا لإتلافهم المشهود به حكمًا، والمتلف لا يرجع بما ضمن بسببه على غيره، كالولي، وهذا لأنهم لو لم يكونوا متلفين لما ضمنوا مع وجود المباشر، كالحافر مع الدافع، وهاهنا ضمنوا، عرفنا أنهم جناة متلفون حكمًا، وإن كان تمام الإتلاف عند استيفاء الولي، فإن استيفاء الولي بمنزلة شرط مقرر لجنايتهم، ومن ضمن شيئًا بجناية نفسه لا يرجع على غيره. أما في الخطأ إنما يرجع؛ لأنه ملك المقبوض، وهو الدية، بالضمان، وقد أتلفه المستوفي بصرفه إلى خاصته، وهذا سبب آخر موجب للضمان عليه للشاهد، وكذلك في المال.

وقولهما: ينعقد السبب موجبًا له الملك أن يعمل في بدله.

قلنا: هذا أن لو كان في الأصل توهم الملك بالضمان، وليس في القصاص توهم الملك بالضمان بحال، فلا ينعقد السبب باعتبار الحلف، ثم لو كان القصاص ملكًا لهما لم يضمنه المتلف عليهما، كما لو شهدا على الولي بالعفو، وقيل: أخر من عليه القصاص فليس لمن له القصاص قبله الضمان، وانعقاد السبب لا يكون أقوى من ثبوت حقيقة الملك، وبه فارق مسألة غصب المدبر والكتابة، فإن هناك لو كان ملكًا حقيقة كان يضمنه المتلف عليه، فكذلك إذا جعل كالمالك حكما باعتبار انعقاد السبب، فيكون له أن يرجع لذلك. الكل من المبسوط (١).

قوله: (وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا) ولا نعلم فيه خلافًا.


(١) المبسوط للسرخسي (٢٦/ ١٨٢، ١٨٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>