للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المُكْرَهِ، لِأَنَّهُ يُؤْثِرُ حَيَاتَهُ ظَاهِرًا، وَلِأَنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ مِمَّا يَقْطَعُ النِّسْبَةَ، … ... …

وفي الأسرار: من مشايخنا من قال في تعليل المسألة بأن الشهود مسببون، ولا مساواة بين التسبيب والمباشرة، وهو ضعيف؛ لأن المذهب عند الشافعي (١) أن المسبب والمباشر واحد، ألا ترى أنه يلزمه الكفارة، إلا أن حافر البئر بمنزلة القاتل بسوط صغير؛ لأن الحفر لا يعد للقتل وضعًا، كالضرب بسوط صغير مرة أو مرتين، فأما الشهادة فطريق مسلوك لأخذ ما يثبت بالشهادة، فكان كالضرب بما يقصد به القتل.

وقلنا: لما ثبت من مذهبنا أن الولي لا يقتل، وقد باشر القتل مختارًا لا بإلزام الشهود، فإنه إن شاء عفا، ثم لم يلزم القصاص؛ للشبهة، فالشهود الذين يصيرون بالشهادة متلفين حكمًا أولى؛ لأن الضمان بالقتل الذي باشره الولي لا بالقضاء وحده.

وفي الكافي: وقوله في الهداية: (ولنا أن القتل مباشرة لم يوجد) إلى قوله: (لأنه يؤثر حياته ظاهرًا) مشكل؛ لأن الأمر على القلب، فالظاهر أن الولي يقدم على القتل لكونه مباحًا، وبه يدرك ثأره والظاهر أن المكره لا يقبل؛ لأنه لا يباح له قتله، ويحتمل أن يرتدع المكره عنه، أو يلحقه الغوث.

أجيب عنه بأنه إنما قال الشيخ ظاهرًا بالنظر إلى حال المسلم المتدين؛ لأنه لا يلحقه بعفوه ضرر بنفسه وماله، ويحصل له الأجر الكثير، فأما المكره يختار حياته بأدنى رخصة في الشرع، ويرجحه على حياة غيره غالبًا، واحتمال الغوث نادر، وعلى تقدير لحوق الغوث لم يبق الإكراه، وكلامنا في المكره (٢).

قوله: (ولأن الفعل الاختياري) أي: القتل الصادر من الولي باختياره الصحيح، من غير إجبار (مما يقطع به النسبة) بخلاف المكره، فإن له اختيارًا فاسدًا، وللمكره اختيار صحيح، والفاسد في مقابلة الصحيح بمنزلة المعدوم، فصار المُكرَه كالآلة للمكره، فلذلك انتقل فعله إلى المكره، فأضيف فعله إلى


(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٢٥٦، ٢٥٧)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٩/ ٥٨).
(٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٩١، ٤٩٣)، البناية شرح الهداية (٩/ ٢١٠، ٢١١).

<<  <  ج: ص:  >  >>