للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(وَإِنْ شَهِدُوا بِقِصَاصِ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ القَتْلِ، ضَمِنُوا الدِّيَةَ وَلَا يُقْتَصُّ مِنهُمْ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ اللهِ: يُقْتَصُّ مِنْهُمْ لِوُجُودِ القَتْلِ مِنهُمْ تَسْبِيبًا فَأَشْبَهَ المُكْرِهَ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ الوَلِيَّ يُعَانُ وَالمُكْرِهَ يُمْنَعُ. وَلَنَا: أَنَّ القَتْلَ مُبَاشَرَةً لَمْ يُوجَدْ، وَكَذَا تَسْبِيبًا، لِأَنَّ التَّسْبِيبَ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ غَالِبًا، وَهَاهُنَا لَا يُفْضِي، لِأَنَّ العَفْوَ مَنْدُوبٌ، بِخِلَافِ

قوله: (ضمنوا الدية)، وبه قال ابن القاسم المالكي (١)، (وقال الشافعي (٢): يقتص منهم)، وبه قال أحمد (٣) وأشهب المالكي (٤) إن قالا: تعمدنا الكذب ليقتل، وإن قالا: أخطأنا تجب الدية بالاتفاق.

قوله: (والمكره يمنع) بنصب الراء، على صيغة اسم المفعول؛ لأن الشاهد بمنزلة المكره، بكسر الراء، والولي بمنزلة المكره، وحاصله أن الإكراه أقل إفضاء إلى القتل، فكان قاصرًا؛ لأن المكره ممنوع عن القتل شرعًا، ومع ذلك يقتل المكره، فأولى أن يجب هنا؛ لكمال الشهادة إلى الإفضاء إلى القتل؛ لأن القتل يباح للولي (٥).

قوله: (ولنا أن القتل مباشرةً لم يوجد)، وانتصاب (مباشرةً) على التمييز، (وكذا تسبيبا؛ لأن التسبيب ما يفضي إليه غالبًا).

(ولا يفضي؛ لأن العفو مندوب) من الولي، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].

وفي المبسوط (٦): الشاهد لم يكن مباشرًا لا حقيقةً ولا حكمًا ولا معنى؛ أما حقيقةً فظاهر، وأما حكمًا؛ لأن الولي طائع مختار في القتل، فيقطع النسبة، ولا معنى؛ لعدم الإلجاء، فإن القاضي إذا لم يحكم يخاف العقوبة في الآخرة، ولا يصير ملجأ به كما ذكرنا مرةً، فلا يصير به مكرها، فكان الشهادة تسبيبًا، ولا مساواة بين التسبيب والمباشرة، ويعتبر في القصاص المساواة.


(١) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٩٦)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٩).
(٢) انظر: الأم (٧/ ٥٧)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٥٦).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٤)، المغني (١٠/ ٢٢٠، ٢٢١).
(٤) انظر: الذخيرة (١٠/ ٢٩٦)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٩).
(٥) انظر: العناية شرح الهداية (٤٩٢٧)، البناية شرح الهداية (٩/ ٣٢٠).
(٦) المبسوط للسرخسي (٢٦/ ١٨١).

<<  <  ج: ص:  >  >>