ولهما: وإذا لم يكن من أهل الشهادة على المسلم لا يكون من أهل الشهادة على أحد، كالعبد، بل أولى؛ لأن الرّق من أثر الكفر، فإذا كان مخرجًا عن أهلية الشهادة، فأصل الكفر أولى، ولأنا لو قبلنا شهادتهم لأوجبنا الحكم على القاضي بشهادتهم، وبقولهم لا يلزم على المسلم شيء.
ولنا ما روى ابن ماجه أنه ﵇«أَجَازَ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَةِ عَلَى بَعْضُهُمْ»(١)، وما روى أبو داود من قصة مولى عمرو بن العاص في سبب نزول الآية، فإذا جاز شهادتهم على وصية مسلم فمن الضرورة أن تجوز على وصية كافر، وما ثبت بضرورة النص أو دلالته كالمنصوص، ثم انتسخ ذلك في حق المسلم بانتساخ حكم ولايتهم على المسلمين بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، فنفى حكم الشهادة فيما بينهم على نيتهم على ما ثبت بدلالة النص أو ضرورته، وليس من ضرورة انتساخ شهادتهم على المسلمين انتساخ شهادة بعضهم على بعض كالولاية، ألا ترى: روي أنه ﵊«رَجَمَ يَهوديّين بِشَهادَةِ أربعةٍ مِنْهُم»(٢).
قوله:(والكذب محظور الأديان)، فإن قيل: لا نسلم هذا، فإنه تعالى أخبر أنهم ينكرون الآيات عنادًا مع علمهم بأنها حق، وكان ذلك كذبًا منهم قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].
قلنا: ذلك في الأحبار الذين كانوا على عهد النبي ﵇، حيث تواطؤوا على كتمان بعث النبي ﵇ ونبوته، فلا شهادة لأولئك عندنا، فأما من سواهم
(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٩٤ رقم ٢٣٧٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٦٥ رقم ٢١١٣٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ أجازة شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض. قال البيهقي: هكذا رواه أبو خالد الأحمر عن مجالد وهو مما أخطأ فيه، وإنما رواه غيره عن مجالد عن الشعبى، عن شريح من قوله وحكمه غير مرفوع. (٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٥٣)، فتح القدير (٧/ ٤١٩).