والنوع الثاني: مباح، وهو الدُّف في النكاح، وفي معناه ما كان من حادث سرور، ويكره غيره؛ لما روي عن عمر أنه لما سمع صوت الدف بعث فنظر؛ فإن كان في وليمة أو ختان سكت، وإن كان في غيره عمد بالدرة، فهو مكروه على كل حال للتشبه بالنساء.
قوله:(ولا من يغني للناس)، ولا يقال: إن فيه تكرارًا؛ لأن من يُغنّي للناس يكون من الرجال والنساء، والمُغنيّة من النساء خاصة، وقيل: والأصح من الجواب أنه إنما ذكر النائحة والمغنية هناك، مع أن النوح والغناء مشترك بين الرجال والنساء؛ لورود الحديث بذلك اللفظ، ويفهم منه حكم الرجال تبعًا، فأعاد حكم الرجال جريًا على الأصل؛ إذ الأصل أن حكم النساء يستفاد من حكم الرجال؛ إذ لو اقتصر على الأول لتوهم أن ذلك حكم مخصوص بالنساء.
وقيد بقوله:(للناس) لأن التغني للناس مكروه باتفاق المشايخ، والتغني الإسماع الغير مكروه عند عامة المشايخ، ومن الناس من أباح ذلك في العرس والوليمة كما أبيح ضرب الدف فيهما، وإن كان فيه نوع لهو، ومنهم من قال: إذا تغنى ليستفيد به نظم القوافي ويصير فصيح اللسان لا بأس به.
وأما التغني لنفسه فقيل: لا يكره، وبه [أخذ](١) السرخسي؛ لما روي عن أنس أنه دخل على أخيه البراء بن مالك، وهو من زهاد الصحابة، وكان يغني.
وقيل: جميع ذلك مكروه، وبه أخذ شيخ الإسلام خواهر زاده، ويحمل حديث البراء على أنه كان ينشد الأشعار المباحة التي فيها ذكر الوعظ والحكمة، وإنشاد الشعر لا بأس به، وإن كان فيه صفة المرأة؛ فإن كانت حية يكره، وإن كانت ميتة لا يكره. كذا في الذخيرة (٢).
وفي المغني: إذا تغنى الرجل الصالح بشعر فيه محبة لا تبطل عدالته.
أما القراءة بالألحان أباحها قوم وحظرها قوم، والمختار إن كانت الألحان
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية. (٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٣١٥).