وفي فتاوى قاضي خان (١): من عُرف فسقه لا يكتب ذلك تحت اسمه؛ بل يسكت احترازًا عن هتك الستر، أو يقول: الله يعلم، إلا إذا خاف أن القاضي يقضي بشهادته بتعديل غيره، فحينئذ يصرّح بذلك، ومن لم يعرفه لا بالعدالة ولا بالفسق يكتب تحت اسمه في كتاب القاضي: مستور، ثم يبعث تلك الرقعة إلى القاضي سرًا، ثم القاضي إن شاء جمع بين تزكية السر وبين تزكية العلانية.
وفي الذخيرة (٢): وينبغي أن يكون المزكي صاحب خبرة، ولا يكون منزويًا لا يخالط الناس؛ لأنه إذا لم يخالط لا يعرف العدل من غير العدل، وينبغي ألا يكون طماعًا ولا فقيرًا حتى لا ينخدع بالمال، فإذا لم يجد المزكي أهل مسجده أو محلته أو سوقه يسأل أهل مجلسه، فإن وجد كلهم غير ثقات يعتبر في ذلك تواتر الأخبار، ولو لم يعرف الشهود بالعدالة، فأخبره رجلان عدلان عن السبب وسعه أن يشهد على السبب.
وعن ابن سماعة عن أبي حنيفة: يجوز في تزكية السر المرأة والعبد والمحدود في القذف؛ إذا كانوا عدولًا، ولا يجوز في تزكية العلانية إلا من تجوز شهادته؛ لأن تزكية السر من الإخبار بأمر ديني، وهو قول هؤلاء في الأمور الدينية إذا كانوا عدولًا مقبول، كما في روايتهم الأخبار، وشهادتهم بهلال رمضان، أما العلانية نظير الشهادة من حيث إن القضاء لا يجب إلا بها كالشهادة، فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة سوى لفظة الشهادة، حتى لا تجوز تزكية الوالد لولده، وعلى العكس، وفي السر جائز (٣).
قوله:(وحدها في الصدر الأول) أي: الصحابة؛ لأن القوم كانوا صلحاء، والمعدل كان لا يتوقى عن الجرح؛ لأنهم كانوا لا يعاملونه بالأذى لو جرحهم، وفي زماننا تركت تزكية العلانية؛ لأنها فتنة وبلاء؛ إذ الشهود يقاتلون الجارح بالإيذاء (٤). كذا في الفوائد الظهيرية.
(١) فتاو قاضي خان (٢/ ٤٤١). (٢) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٩٦ - ٩٨). (٣) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٩٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ١١٧). (٤) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٧٩، ٣٨٠)، البناية شرح الهداية (٩/ ١١٨).