للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(إِلَّا فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ) لِأَنَّهُ يَحْتَالُ لِإِسْقَاطِهَا فَيُشْتَرَطُ الاسْتِقْصَاءُ فِيهَا، وَلِأَنَّ الشَّبْهَةَ فِيهَا دَارِئَةٌ، وَإِنْ طَعَنَ الخَصْمُ فِيهِمْ سَأَلَ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ تَقَابَلَ الظَّاهِرَانِ فَيَسْأَلُ طَلَبًا لِلتَّرْجِيحِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ فِي سَائِرِ الحُقُوقِ (*) لِأَنَّ القَضَاءَ مَبْنَاهُ عَلَى الحُجَّةِ، وَهِيَ شَهَادَةُ العُدُولِ فَيَتَعَرَّفُ عَنْ العَدَالَةِ، وَفِيهِ صَوْنُ قَضَائِهِ عَنْ البُطْلَانِ.

وَقِيلَ: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، وَالفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ.

قوله: (وإن طعن الخصم فيهم) أي: في غير الحدود والقصاص؛ إذ فيهما لا يتوقف السؤال على الطعن بالاتفاق (١).

قوله: (تقابل الظاهران) يعني كما أن الظاهر أن الشهود لا يكذبون، فكذا الظاهر أن الخصم لا يكذب في طعنه، فيحتاج القاضي إلى الترجيح، وعندهما لا بد أن يسأل طعن الخصم أو لم يطعن في جميع الدعاوى، وبه قال الشافعي (٢) وأحمد (٣)، وقال مالك (٤): من كان مشهورًا بالعدالة لم يسأل عنه، ومن عرف جرحه رد شهادته، وإنما يجب عليه السؤال مهما شك وإن سكت الخصم، إلا أن يقر بعدالتهما.

(لأن القضاء بنيته)، وفي بعض النسخ: (مبنية) (على الحجة، وهي شهادة العدول) بالنص (فيتعرف) أي: القاضي (عن العدالة، وفيه) أي: في تعرفه (صون قضائه عن البطلان) أي: على تقدير ظهور الشهود عبيدا أو كفارا يبطل القضاء، أما الظاهر يَصلُحُ للدفع لا للاستحقاق، وحاجتنا هاهنا إلى إلزام الحكم، وذا لا يكون إلا بحجة ملزمة (٥).

قوله: (وقيل: هذا اختلاف عصر) فإن أبا حنيفة أفتى في القرن الثالث


(*) الراجح: قول الصاحبين.
(١) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٣٧٨)، البناية شرح الهداية (٩/ ١١٥).
(٢) انظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٦٧)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (٤/ ٣١٢).
(٣) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٩، ٢٣٠)، المغني (١٠/ ٥٧).
(٤) انظر: المدونة (٤/١٣)، الذخيرة (١٠/ ٢٠١).
(٥) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١١٥، ١١٦)، فتح القدير (٧/ ٣٧٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>